إعلان

"الإنس والنمس"... ضحك شحيح ومعنى "مافيش"

المصدر: القاهرة- النهار العربي
شريف صالح
هنيدي في الإنس والنمس
هنيدي في الإنس والنمس
A+ A-

يحاول محمد هنيدي وهو يقترب من الستين أن يحافظ على وجوده في الصف الأول بين نجوم الكوميديا، وهذا حقه. مع الإقرار بأن كل نجوم الضحك الذين خلفوا عادل إمام لم يستطيعوا اللحاق بالظاهرة الكبيرة.

فعبر مسيرة تزيد عن ثلاثين عامًا، بدأها هنيدي "كومبارس" تذبذبت وتنوعت أعماله الغزيرة، بما فيها الدبلجة وأعمال الطفل، ومسرح وسينما ومسلسلات، حتى الإعلانات و"ميمز السوشيال ميديا". ثمة إصرار حاسم من هنيدي أن يبقى في الضوء، ولو بمنطق أن "اليد العاطلة نجسة".

 

يوازيه إصرار آخر - رغم تقدمه في السن - أن يحافظ على أبجديته أو خلطته المضحكة التي اشتهر بها منذ البداية. فهو في أحدث أفلامه "الإنس والنمس" يقدم لجمهوره "هنيدي" أكثر مما يقدم شخصية "تحسين".

الأداء الجسدي والصوتي نفسه، طريقة صناعة "النكتة" والموقف الكوميدي نفسه. الحضور الأبدي في الكادر. طوال مئة دقيقة لا بد من أن يظهر "هنيدي" في كل ثانية، وكل شيء آخر مصمم لخدمة ظهوره. لا قيمة للشخصيات الأخرى إلا بقدر ما تخدم "الأفيه" الخاص به، أو بقدر ما "يفرش" لها "الأفيه". فهو أناني جدًا في الظهور، وليس أنانيًا في احتكار "الأفيه".

 

أبطال الفيلم

 

أفيهات سمجة

تعبير "إفيه" رائج في تحليل الكوميديا المصرية وهو مأخوذ عن الفرنسية، ويُقصد به التأثير المُضحك، سواء نكتة لفظية أو موقف كوميدي.

واجتهد هنيدي مع مخرج فيلمه شريف عرفة صاحب القصة، وكريم حسن بشير كاتب السيناريو والحوار، في تصميم أكبر كمية من "الأفيهات" اللفظية والدرامية.

 

وتلك كانت الرسالة الأولى والوحيدة. فلا مبرر فني آخر لصناعة الفيلم سوى الإضحاك. لا رسالة وعظية، أو وطنية... لا رسالة فلسفية مشفرة. فقط شعار من حق الجمهور أن يضحك مقابل ثمن التذكرة.

هنا الضحك نابع من مصدرين: من أيقونة هنيدي نفسها، المعتادة تمامًا. ومن عالم العفاريت الغامض الذي تم تصميمه للإضحاك "التهريجي" و"الطفولي جدًا".

 

عادة يتطلب "الإضحاك" قدرًا من الغرابة، والمبالغة، والعفوية، و"الطزاجة"، كي يمارس تأثيره اللذيذ على الجمهور. وسماته تلك تجعله فنًا صعبًا، فقد يضحك شخص على "نكتة" ولا يضحك عليها صديقه في الكرسي المجاور. ومن سمعها من قبل لن يرتج ضحكًا.

كأن الضحك في نهاية الأمر، تجربة شخصية جدًا، تخاطب كل صاحب تذكرة على حدة، عكس التراجيديا.

 

أعترف بأن معظم "الأفيهات" كانت صاخبة وسمجة، ولم أضحك خلال مدة الفيلم الطويلة جدًا، إلا نحو ست أو سبع مرات. منها مثلًا هذا الحوار مع العفريتة "نارمين" التي تسأله:

"أنت ليه بتحط إيدك على بُقك وانت بتتاوب؟"

هو أنا عبيط أخلي الشيطان يعمل بيبي في بُقي"...

"إيه! إيه اللي انت بتقوله دا؟ لا دي إشاعات.. الشياطين نضاف جدًا.. ولا يمكن يعملوا الحركات دي".

 

ميزة الأفيه هنا أنه مصمم على موقف بسيط "فعل التثاؤب"، لمناقشة موروث ديني شعبي عن تبول الشيطان في الفم المفتوح ما لم يضع المرء يده. غالبًا نشأ هذا الموروث التخييلي لتدريب الأطفال على سلوك اجتماعي جمالي لمدارة الفم عند التثاؤب.

ولكن إجمالًا، كان الضحك "شحيحًا"، رغم أنه هدف الفيلم الأساسي، و "المعنى مافيش" بالتعبير المصري الدارج.

 

 

لمسة رعب خفيفة

لا يكتشف هنيدي الممثل منطقة جديدة في أدائه، إن وجدت. ولا يقدم الكثير من الضحك العفوي والطازج، بل ضحك قليل مع سبق الإصرار والترصد.

ومن قبيل التجديد، تم ضخ هذا الضحك في قالب الرعب، رغم التناقض الظاهري بين المسارين.

 

فالضحك حالة انفعالية مرتبطة بالانبساط والشعور بالأمان، بينما الرعب مرتبط بالانقباض والهلع والخوف وارتفاع منسوب الأدرينالين. الضحك مُهدئ والرعب موتر.

ولأن الضحك يتأسس على "المفارقة والمبالغة"، فليس جديدًا توليده من طرفين نقيضين، فمثلًا جرب هنيدي ومن قبل علاء ولي الدين وصولًا إلى إسماعيل يس تقديم ضحك من قالب الحياة العسكرية الجادة جدًا. مثلما قدم عادل إمام ضحكًا من قالب "الإرهاب" بكل ما فيه من حمولة العنف والتهديد.

 

أيضًا توليفة الضحك من قالب الرعب وأجواء "الهالوين" ليست جديدة، لعل أشهرها فيلم "إسماعيل يس في متحف الشمع" الذي تم استبداله هنا بـ"بيت الرعب"، مرة كفضاء مجازي ضمن "ملاهي الأطفال" حيث يعمل "تحسين" مديرًا، ومرة كفضاء حقيقي حيث انتقل إلى قصر عائلة "النمس" في عالم الجن والعفاريت.

لا جديد في طرح الاشتباك بين العالمين، وسبق لعادل إمام أن تخلى عن سمت الكوميديان، لمناقشة هذا الاشتباك في فيلمه "الإنس والجن"، ربما بهدف الحصول على جائزة تمثيل. في حين أن هنيدي استعاد الروح المرحة لعالم الأشباح. مع تمرير رسالة سريعة بأن تلك المخلوقات ـ إن وجدت ـ لا تملك أن تهزم الإنسان. والضحك عمومًا يُؤنسنها، ويخفف موروث الخوف منها. وهو ما ظهر في تحولات بعض الشخصيات العفريتية لمساعدة "تحسين"، خصوصًا "نارمين" والعفريت الطفل، و"أشموح".

 

قليل من الخوف لن يضرّ، بل سيضفي الإثارة والتشويق، حتى وإن بدت "العفاريت" مخلوقات هزيلة، قابلة للانخداع من شخص أبله مثل "تحسين".

حتى وإن لم نفهم "ماهية" التعويذة التي وضعها "الشيخ جعفر" (صلاح عبد الله في حضور شرفي). المهم أن يكون لضفيرة الإثارة حضورها لتدعيم ضفيرة الضحك.

 

عند مناقشة ضفيرة الرعب، تُثار قضايا متنوعة، منها استلهام غرائبية نص "ألف ليلة وليلة" الجليل المهيب، وقد أشار هنيدي إليه بالفعل في أحد المشاهد، وتأثيره واضح بلا شك، في إطار القصة وبنية المشاهد، عن ذلك البطل الإنسي الفقير الذي يُخدع بالثراء والطاقة السحرية، ويستدرج إلى عالم سُفلي ماورائي، ولا يعدم أن تقدره "جنية طيبة" لا تضمر شرًا غريزيًا ضد البشر.

كما أن هذا العالم له مخزونه العميق في الموروث والمخيال الشعبي إلى يومنا هذا. وهو مخزون مضاد للحداثة وقيم المدنية، يتجلى في أعمال السحر والشعوذة "وربط" الذكور وغير ذلك.

 

ولأن الفيلم اكتفى باستغلال قالب الرعب للإضحاك، لم تكن هناك أي مناقشة عقلانية، ولا حتى مراعاة جيل أطفال "الإنترنت" الذي أسس قطيعة مع هذا الإرث.

 

محاكاة هزلية

يملك المخرج شريف عرفة اسمًا جيدًا، ولديه أعمال كثيرة حظيت بالنجاح التجاري، والنقدي أحيانًا. فثمة خبرة تحميه من السقوط في "الفشل المدوي".

وإلى حدٍ ما، نجح في تقديم فيلم كوميدي تجاري قادر على التفوق في شباك التذاكر، واستثمر في بدلة هنيدي كما هي دون أن يطلب منه تغيير "جلده".

 

كما استثمر جيدًا في عناصر تمثيل مميزة ومحبوبة مثل منة شلبي "نارمين"، وعمرو عبد الجليل "شهاوي" كبير العفاريت، وبيومي فؤاد "أشموح" العفريت المتمرد، وصابرين "أم نارمين"، والعفريت الأحول "خزاعة" سليمان عيد، إضافة إلى شريف دسوقي "والد تحسين" وعارفة عبد الرسول "أمه" ودنيا ماهر في دور أخته.

مهما بدا حجم الدور صغيرًا، كان هناك رسم جيد لكل شخصية وإتاحة فرصة لها للمشاركة في "الأفيهات" مهما بدت مفتعلة أحيانًا.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم