إعلان

النضال الفلسطيني اليومي بحثاً عن فرصةٍ للعيش

المصدر: القاهرة- النهار العربي
أسماء ابراهيم
اعلان الفيلم
اعلان الفيلم
A+ A-

 

في فيلم "200 متر"، يرصد مخرجه وكاتبه أمين نايفة مأساة العبور الذي يخوضه الفلسطينيون يومياً للمرور إلى المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، حيث يغدو السعي خلف الرزق، وإن في الأراضي الخاضعة للاحتلال، خيارا وحيدا لأسرة كادحة تحاول التشبّث بالحياة حدّ كـسـر ظهر معيلها.

لا يتوانى الزوج الفلسطيني عن العمل في المعمار أو البناء أو البستنة أو أي مجالٍ يمكن أن يوفر له قوت بيته، بينما تعمل الزوجة تعمل عملين بغية المساعدة في إعالة الأسرة والعيش عيشة كريمة.

مجتمع يلهث لا يهدأ، تسحقه ضغوط الاحتلال ومحاولات النبش في الحجر بهدف إيجاد فرصة للعيش. وفرص العمل والحياة ليست في القطاع الفلسطيني، بل على الجانب الآخر من الجدار، حيث المالك الإسرائيلي يعطي شيكلات لعمال البناء كي يرموها أثناء صب الخرسانة جلباً للحظ الحسن الذي يتمناه الأب حين تنتهي صلاحية تصريحه للعبور الى الجانب الإسرائيلي.

مئتا متر تفصل بين المرء وزوجه وأسرته وعمله وحياته، ولكي يجتازها عليه أن يعبر المعبر الحدودي بطريقة قانونية وبأوراق ثبوتية وبصمة إصبع إلكترونية وتصاريح عمل سارية، أو أن يلجأ إلى التهريب الذي يتواطأ الجميع على معرفته في وضع أقرب الى نكتة المطار السري.. هنا يسأل المواطنون في عرض الشارع إذا ما كانت هذه هي سيارة التهريب أم لا؟

 
 

فلسطين في سيارة

ينطلق السرد من بيت فلسطيني في الضفة الغربية، يضمّ الأب والأمّ والجدّة والأحفاد، الى الجانب الآخر حيث هناك سكن الأسرة ومدرسة الأبناء وأكاديمية كروية ينوي الابن ان يلتحق بها لعله يحقق حلمه الرياضي على غرار النجم المصري محمد صلاح، الذي استلهم منه حلمه في الانعتاق من مجتمعه عديم الفرص.

 ولكن، في اليوم الذي ينتهي فيه تصريح عمل الأب؛ يصاب ابنه ويُـنقـل الى المستشفى، مما يضطره للذهاب الى إسرائيل عبر التهريب بمبالغ مالية كبيرة وإن كانت قابلة للتفاوض كأي سوق غير رسمي. وهو ما تفعله كذلك صانعة الأفلام الألمانية التي تركب تلك السيارة مع بطل فيلمها الوثائقي، الذي يأخذها في رحلة سفر خطيرة إلى إسرائيل، عبر التهريب.

يستعرض الفيلم في رحلته نماذج من بشر المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، ويلج بنا إلى خريطة معاصرة لأطياف المجتمعين ونقاط التماس بينهما. فالجندي الإسرائيلي ذو الأصول الإفريقية يستوقف سيارة التهريب التي تقودها المخرجة الألمانية الشقراء، والتي تساعدها إجادتها اللغة العبرية في تحقيق عبور آمن الى الجانب الإسرائيلي، ولكنها تثير بعدها غضب وتساؤلات الشاب الفلسطيني الذي تنجز الفيلم عنه وعن رحلته غير الشرعية للوصول الى زفاف ابن عمه في الجانب الإسرائيلي. كل ذلك مع ركاب عرب يجيدون التحدّث باللغة العـبرية بطلاقة العربية. وهنا يطرح الفيلم سؤاله المهم: عن أي فلسطين نتحدث؟ وعن أي الفلسطنيين نحكي؟

 

فلسطين من منظور آخر

في أيّ رواية نثق؟ وإلى أي من ركاب الحافلة يمكن أن نسلم زمام السرد؟ هل لمخرجة أوروبية تريد أن تنجز وثائقي عن فلسطين بينما شبهة الاستشراق تصِمُ فيلمها؟ أم لشاب فلسطيني يريد أن يظهر كمناضل فيخبر مخرجة الفيلم بأن تقوم بتصويره وهو يمزّق العلم الاسرائيلي سعيا وراء اعجاب الجمهور المرتقب؟ أم لشاب يافع سُـدَّت أمامه سبل العيش في الضفة الغربية ولا يجد إلا الحبس في صندوق سيارة خلفي وسيلة للعبور إلى فرص العمل والرزق؟ أم لشبكة تهريب مؤلفة من سائقين يلتقون في نقاط تبادل لتغيير السيارات من أجل إكمال مهمتهم واقتسام حمولة الركاب في الخلاء؟ أم للأب المكلوم الذي يريد الوصول لابنه المصاب والذي يخوض تجربة التهريب لأول مرة بعد رحلات يومية من العبور الرسمي بالكد والانتظار وشبهة المهانة الى العمل في أرض المحتل؟

رحلة التهريب لاجتياز الجدار العازل ليست آمنة وتحوطها المخاطر، حتى أنها تتوقف في المنتصف لقبض الشرطة الإسرائيلية على سيارة أخرى كانت تقِـل نصف ركاب الرحلة قبل افتراقهم، ويقرر النصف الآخر الذي اختبئ في صندوق السيارة إكمال العبور للضفة الأخرى وحدهم، بعدما هلع السائق وتركهم مخافة القبض عليه عندما اكتشف الكاميرا مع المخرجة وشاهد لقطاته على شاشتها.

هنا يخبرهم الشاب اليافع أنه يعرف فجوة في الجدار كان قد اجتازها سابقا. فيقررون المغامرة والذهاب بمفردهم رغم وجود فرصة للتراجع. وحين يصلون بالفعل الى الثغرة ويصعد الشاب على حبل في الجدار؛ يظهر مجموعة شباب فلسطينيين يساومونهم على العبور، فتنشُب العريكة ويسقط الشاب مكسورا، لينتهي الأمر بالأربعة في المستشفى: الشاب اليافع ومخرجة الفيلم وبطلها والأب.

يصِّرح الأب للمخرجة أنه استغل الشاب وأقنعه بتأمينه فرصة عمل له في إسرائيل كي يكمل الطريق حتى يصلوا الى نقطة التهريب، وتحديدا فجوة الجدار. ويحثها على الاعتراف هي الأخرى بأصولها الإسرائيلية التي استشفها بحدسه وبفهمها للكلمات العبرية التي كانت تلقى طوال الرحلة، كل ذلك وهما يتقاسمان سيجاراتها. وفي استسلام للأمر الواقع، حتى أنه سيدافع عنها ويردّ لها كاميراتها حين يكتشف الشاب الفلسطيني خدعتها له وإجادتها العبرية، بل وتحدثها بطلاقة مع حارسة المعبر.

في النهاية، يصل الجميع الى وجهتهم.. الشاب الى عُـرس ابن عمه، والمخرجة الى إسرائيل، والأب الى ابنه المصاب في المستشفى.

 

No Filming

طوال الفيلم نستمع لمحاذير عن التصوير وممانعة التوثيق من خلال الكاميرا. مرات بنبرة هادئة، وكثيرا بحسم وصلف، حتى أن أحد المهربين يضرب صانعة الأفلام الألمانية حين يرى نفسه على شاشة كاميراتها. هنا يرسل الفيلم إشارته لأهمية الوثيقة المرئية كأداة لفضح الانتهاكات، وللحفاظ على الذاكرة أيضا... ماذا يحدث في فلسطين الآن؟ ومن هم بشرها ومواطنوها؟ وما هي سبل التعايش والمقاومة، وآليات الاندماج والتكييف مع حقيقة وجود المحتل وسيطرته على مقدرات الأمور سياسةً واقتصادًا.

يبدأ الفيلم بتواصل الأب مع أسرته عبر إنارة أو إطفاء لمبة صغيرة على سطح منزله كي يروه على الضفة الأخرى... وينتهي وقد أضاف مجموعة من وحدات الإضاءة أقرب للفرح.

لا ينتهي الاحتلال بنهاية الفيلم، لكنّ أنواراً يضيفها الأب للتواصل مع أبنائه في الضفة الأخرى، وهذا ما يحدثه الفن. تلويحة أشدّ... وصوت أعلى... ونور أسطع.

حصد الفيلم الفلسطيني "200 متر" جائزة أفضل ممثل في مهرجان الجونة في العام 2020، وجوائز عربية أخرى، إضافة الى جائزة الجمهور في مهرجان فينيسيا 76 في دورته الأخيرة، ويُعرض حالياً في دور السينما بالقاهرة.
الكلمات الدالة