إعلان

ما بين "ستالين" و"تروتسكي"... هل تكذب كتب التاريخ؟

ليلى عبدالله
مشهد من مسلسل بعنوان تروتسكي
مشهد من مسلسل بعنوان تروتسكي
A+ A-

في رواية "فتاة الوشاح الأحمر"، سردت الكاتبة الصينية جي لي يانج تفاصيل مؤلمة عن طفولةٍ معذبة عاشتها وأهلها أثناء الثورة التطهيرية في عهد الزعيم ماو. ولكن، بعد الثورة الثقافية الصينية بأعوام طويلة، سئلت جي لي يانج صاحبة عن أسباب عدم كرهها للزعيم رغم ما سببه لها ولأفراد عائلتها البرجوازية من عذاب، فقالت ببساطة:" كانت أدمغتنا مغسولة"!.

فالزعيم ماو كان بالنسبة إليهم، إلهًا بسط سيطرته على كل شيء. صورته البراقة في ذلك الوقت نقلها المحيطين بالزعيم، لذا فإن اللوم لا يقع على "ماو" فقط، بل على الآخرين الذين جعلوه في مصاف الآلهة!

هذه الهالة المقدسة نفسها أُلبست شخصية تاريخية أخرى مثيرة للجدل حتى يومنا هذا وهو جوزيف ستالين؛ فقد وصف راديو موسكو يومًا في إحدى إذاعاته خواطر تلميذ صغير وهو يمرّ أمام الكرملين ويفكر في ستالين، فيقول: عندما يغيب الضوء سيذهب "هو"- أي ستالين- إلى فراشه، فهل يا ترى ينام هو كما ينام سائر الناس؟

 

دفاع ستاليني شرس

بعد قراءة كتاب "لماذا تكذب كتب التاريخ؟" لمؤلفين روسيين هما يوري موخين والكسندر شابالاوف، قفزت الى رأسي عبارة الكاتبة الصينية يوم قالت: "أدمغتنا مغسولة". فالكتاب عبارة عن دفاع شرس عن ستالين، ضد كل من شوّهوا سمعته في كتب التاريخ؛ ففي حياته حظي بألقاب شتى جلها تعظّمه ولكن بعد موته بسنوات قليلة صار ملعونًا، فجاء هذين المؤلفين ليقدماه " كأعظم قائد عسكري ظهر في جميع العصور وفي جميع البقاع"، كما قيل عنه في خطبة عيد ميلاده السبعين عام 1949. فهل أدمغتهما مازالت مغسولة؟ هذا السؤال قد يطالع القارئ وهو يقرأ تبريراتهما لكل "القمع الإستاليني"، في حقبة انتشرت فيها ضحايا قمعه على كل أراضي الاتحاد السوفييتي، ثم يقومان بلومه على عدم تصفية المزيد من النفوس البشرية ومن قادة الحزب وقتئذ!

 

المؤلفان يصرّان على أن الليبراليين الذين حطّموا الامبراطورية الروسية في شباط فبراير 1917، وأنهم هم الذين حطموا الاتحاد السوفييتي عام 1991، يعنون بالتحديد صاحب نظرية الإرهاب الثوري، ليو تروتسكي، الذي يرونه مهرّجًا ومن أشدّ أعداء ستالين، ويتماهون في النيل منه وتشويه سمعته.

 فإذا كان هذا الكتاب متماهٍ في دفاعه عن ستالين، غير أن رواية "الرجل الذي كان يحب الكلاب" للروائي الكوبي ليوناردو بادورا (ترجمة بسام البزاز، دار المدى)، لها رأي مغاير عن ستالين أو "الدب الجبلي" كما كان يسميه تروتسكي في الرواية.

ينقل هذا العمل آخر سنوات من حياة تروتسكي قبل مقتله على يد قاتل عميل لستالين، رامون ميركادير، الذي هوى على رأسه بفأس تزلج.

ومن خلال تتبع الحقائق التاريخية، في زمن " ستالين" وما بعدها بسنوات كان فيه ذكر اسم تروتسكي محظورًا في روسيا، لكن بعد عدة سنوات، صار ستالين هو نفسه ملعونًا في روسيا، وصارت صوره وتماثيله التي كانت في كل بقعة في الأراضي الروسية مخبأة في مستودعات معتمة ومكللة بالغبار، يحدث ذلك حين يتلاشى سحر "غسل الأدمغة"!

كان تروتسكي القائد رقم اثنين بعد لينين، حتى أنه ذكر جدارته في تولي رئاسة الحزب في وصيته التي ظلت طيّ الكتمان، وأخفيت تمامًا في روسيا لسنوات طويلة حتى سرّبت بطريقة ما: "فإن الرفيق تروتسكي لا يتميز فقط بكفاءته الشخصية، فهو بكل تأكيد أكفأ أعضاء اللجنة المركزية، وإنما أيضا بثقته العظيمة بنفسه وميله إلى الناحية الإدارية من كل موضوع". وكان ستالين مدركًا لذلك؛ فقد شكّك لينين في وصيته بأطماعه السياسية للحكم المطلق: "الرفيق ستالين بعد أن أصبح سكرتيرًا عامًا للحزب قد ركز سلطة واسعة في يده، ولست واثقًا إذا كان يستعمل هذه السلطة دائما بالحذر المطلوب"؛ لذلك تداركًا لأيّة رد فعلٍ مسبق من قبل " تروتسكي" انشأ تحالفًا ثلاثيًّا مع اثنين من أعضاء الحزب وهما  كامينيف وزينوفييف؛ وبعد وفاة لينين عرف تروتسكي أنهم يحاولون إبعاده؛ فصار يحضر جلسات المكتب السياسي وفي يده رواية فارسية ما ويضع رجلاً على رجل ويبدأ بقراءة الكتاب، كأنه يقول لهم أنه لا يعترف بقراراتهم وكل ما يجري هو مجرد تمثيلية.

بطولات... وأكاذيب

عرف " تروتسكي" كخطيب مفوّه، حيث مضى على دأب عائلات الجالية اليهودية الروسية، الذين كانوا يبعثون أبناءهم  إلى مدارس لتعلم أساليب الخطابة وهذا ما فعله والداه تماما؛ لذا كانت خطاباته مؤثرة ولقلمه الذي يكتب عن ثورة ولادة صدى جبّارًا، كانت لديه خطته العامة وهو طموحه الشخصي الأبرز أيضا في أن تكون الشيوعية عالمية وليست فقط لبقاع روسيا، وكان تتجلى هذه العالمية وفق رؤاه عن طريق إعادة الاتحاد السوفييتي إلى الرأسمالية وتنمية الجيش البروليتاريا فيه، ومن ثم مع بروليتاريا الدول الأخرى يقوم بالثورة الشيوعية في العالم الأجمع.

غير أن مناصري ستالين في كتابه "لماذا تكذب كتب التاريخ؟"، استغلوا هذه النقطة تحديدًا، لتشويه مساعي تروتسكي، وجعله خائنًا في نظر الشعب؛ بتهمة تخريب الاتحاد السوفييتي: "ويجد تروتسكي المخرج من الضروري إضعاف الاتحاد السوفييتي بالتخريب ودفعه إلى الحرب مع الرأسماليين التي سيخسرها وتسقط السلطة السوفييتية، عندئذ سيستلم الرأسماليون الأجانب المصانع والمعامل السوفييت في الاتحاد السوفيتي المنهار". وألصق بكل الذين كانوا في جبهة "تروتسكي" تهمة الخيانة والطمع في المناصب، رغم أن وصية " لينين" أظهرت كيف أن " ستالين" كان حاد الخلقة ومتمسّكًا بالحكم والسلطان؛ لذا أمر بإيجاد بديل عنه في تولي منصب سكرتير الحزب" إن ستالين عنيف جدا، وهذا العيب وإن كان محتملاً لبقائه بيننا إلا أنه يصبح غير محتمل عندما يقوم بأعباء وظيفة سكرتير العام للحزب، ولهذا فأنا أقترح على الرفقاء أن نبحث عن وسيلة لإبعاده عن هذه الوظيفة حتى نرشح رجلاً يختلف عن ستالين من جميع الوجوه"، دون أن يعلم هذا الأخير أن هذا الرجل نفسه استولى على الحكم واحتكره لنفسه!

 

 

ويصف المؤرخون أولئك الذين انتقدوا جرائم ستالين، القائد الأسطوري، وبعض رفاقه ممن اعترفوا الحزب بالفظائع التي ارتكبوها لنيل رضى ستالين في حياته بالجبناء، وتنتهي المرافعة الدفاعية الشرسة عنه بجملة ختامية في آخر الكتاب" حوّل الديمقراطيون الأكاذيب عن ستالين إلى سلاح جبّار. دمّر دولتنا العظمى وهل نستطيع إحياء ما دمروه، إذا سمحنا بالاستمرار في الافتراء على ستالين وتسميم روح الناس بالكذب؟".

 
بين التخييل والواقع

وبالوقوف على رواية "الرجل الذي كان يحب الكلاب"، فإنها تناصر تروتسكي بشكل فعّال، حيث إنها تركز على حياته وكيف كان رجل ستالين يسعى الى قتله قبل أن تنجح مساعيه في ذلك. وهي من الناحية الفنية رواية جبارة، جاءت كوثيقة لخصام رجلين كان لهما التأثير الكبير في تاريخ روسيا حتى الآن، وكلاهما من الحزب نفسه، وإن فرقتهما أحقادهما الكامنة، وسعي كل واحد منهما نحو السلطة الفردية، رغم رفع شعار الحكم الجماعي. هي رواية سياسية بإمتياز، تؤرجح قارئها بقسوة بين الأكاذيب السياسيين الفجة، لصناعة تاريخهم البراق بمنهجية ملفقة دون أن يعيروا أهمية تصديق الآخرين لها.

الصفحات تفوح بكراهية شديدة العنف. كراهية مقيتة يبررونها باختراع أكاذيب وهمية، يذهب ضحاياها ملايين من المستضعفين، بينما يدفع أولئك الموهومين/ الدمى، ثمنًا باهظًا لتوجهاتهم السياسية والفكرية والحزبية.

هذه الرواية بمزيجها التاريخي والمتخيّل، تعطي دروسًا (مجانية) عن صنعة التاريخ والسياسة والساسة وتوجهاتهم الفكرية، غاياتهم، بطولاتهم، أكاذيبهم، ومبادئهم التي تبررها هوى غاياتهم الشخصية، أما الشعوب ضحايا الخطابات والأوهام والعنف والدموية هم مجرد روبوتات ساذجة.

يختتم الكاتب روايته الضخمة، التي وضعت عدستها المكبرة تحت اسمي كل من ستالين كديكتاتور وتروتسكي، كثوري بروليتاري، بجملة تبدو أنها تمسّ كل من "الجاني" رامون ميركادير و"المجني عليه" ليون تروتسكي:" أتمنى أن تثير فينا الشفقة".

ويبقى السؤال، حين يخضع التاريخ ل "وجهات النظر"، فمن أين يستقي القارئ الحقائق؟ وهل يمكن الروايات أن تكتب تاريخاً منصفاً وموازياً من خلال سرد ما أغفله المؤرخون؟

الكلمات الدالة