إعلان

​الإماراتية ميسون صقر تسافر في تاريخ القاهرة عبر مقهى "ريش"

المصدر: القاهرة- النهار العربي
علي عطا
واجهة مقهى ريش
واجهة مقهى ريش
A+ A-
تأكدت هوية مقهى "ريش"، كملتقى للمثقفين، بانتقال ندوة نجيب محفوظ من كازينو الأوبرا إليه عام 1963، علماً أن وجوده سبق ذلك التاريخ بسنوات طويلة، ولطالما اجتذب سياسيين وفنانين وأدباء من مصر وغيرها من بلاد العالم.
 

تلك الندوة التي انتظم انعقادها لأكثر من 17 عاماً حوَّلت المكان إلى ساحة نقاش سواء خلال وجود نجيب محفوظ في المقهى، أو قبل حضوره وبعد انصرافه. ومن ثمّ زاد زخم تجمعات المثقفين ممن غلب على معظمهم الانتماء إلى اليسار أيديولوجياً، في مقهى ريش بعد هزيمة 1967.

 

ومن هنا أمرت السلطات بغلق المقهى يوم الجمعة من كل أسبوع، وهو اليوم الذي كان يشهد حضور أكبر عدد من روّاد "ريش". ثم أغلق المقهى تماماً لنحو عشر سنوات، لترميم قبوه، قبل أن يعاد افتتاحه، ولكن بعد رحيل عدد كبير من رموز رواده من المثقفين. 

 

هذا بعض ما ورد في كتاب "مقهى ريش: عين على مصر" للشاعرة والروائية والفنانة التشكيلية الإمارتية ميسون صقر (دار نهضة مصر).

 

وبحسب ما أوردته ميسون صقر تحت عنوان "سيرة مختصرة عن الكتاب"، فإنها في العام 2013 بدأت بمسح كامل لمعظم الجرائد والمجلات الورقية التي كانت في حوزة مالك المقهى العريق حينذاك مجدي عبد الملاك، وعمل تصوير ضوئي لكل منها، كصورة يمكن الاحتفاظ بها إلكترونياً بدلاً من الورق المعرض للتلف.

ثم كتبت ميسون كل ورقة منها مرة أخرى بشكل واضح على برنامج "وورد" حتى يمكن قراءتها وطباعتها وأخذ نسخ أو مقتطفات منها، وكان عدد ما كتب 173 موضوعاً.

 

مسح إلكتروني

قامت ميسون صقر، وهي تقيم في مصر منذ طفولتها المبكرة وتخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، بمسح شامل إلكترونياً لكل ما يتعلق بمقهى "ريش"، من نصوص وصور وفيديوات، فصرنا بصدد أرشيف شامل للحياة الثقافية والاجتماعية في القاهرة. ومن هنا كان ملائماً تماماً أن تتصدر مفتتح الكتاب العبارة التالية: "للأماكن روح تتنفس وحضور يتجسد وحنين يطاردنا".

 

في المفتتح، تتواضع ميسون صقر وتصف جهدها لإنجاز هذا الكتاب بالمتواضع، على الرغم من أن القارئ سيلاحظ حتماً أننا بصدد كتب عدة جمعت في مجلد واحد، يزخر بمحتوى متشعب يرصد أحوال مصر عموماً والقاهرة خصوصاً، اجتماعياً وسياسياً وثقافياً في مدى يزيد على مئة سنة.

 

وذلك كله جاء وفق ما ورد في المفتتح تحت مظلة تبرز مقهى ريش كحالة متناغمة، خلقت تميزها من تفرد موقعها وبقيمة روادها. كتل وتجمعات تلتقي وتفترق، لكن صوتهم يظل يرن في أرجاء القاعة، وأنفاسهم تظل عالقة بالكراسي والطاولات، وكأن نفساً جديداً يستعيد صورة من كانوا هنا ورحلوا؛ في مزيج يتصاعد بين الماضي والحاضر. فأن يتحول المقهى إلى كيان يمتزج فيه الحقيقي بما يضيفه الخيال، والفكرة بما تضيفه الكتابة إليها، فهذا يعني أننا إزاء مكان له ذائقة خاصة، تنتصب جداراً صلداً ضد النسيان والإهدار والغياب.

 

لكونه مقهى لا بد أن يكون محايداً وغير منحاز، وما دام الأمر كذلك، فلماذا اهتم المقهى بفكرة صالوناته الثقافية وقبلها الفنية؟ ولماذا هذا الحضور الكثيف من المثقفين حوله؟ ولماذا كانت جلسة نجيب محفوظ الشهيرة تعقد فيه؟ لماذا هذه الصور التي تقول واحدة منها على جدرانه: هذه أنا، فتتحرك صورة أخرى مجاورة لتقول: وهذه أنا أيضاً؟ إنها أسئلة الهوية والخصوصية، ولقد أوجد مقهى ريش بذلك لنفسه بصمة عميقة لن تنسى مطلقاً في ذاكرة المقاهي.

 

بين الواقع والخيال

نحن هنا إذن بصدد واقع كأنه الخيال، وخيال كأنه الواقع. فهناك كما تقول ميسون صقر فاصل تاريخي وهناك تاريخ للكتابة بين ما كتب عن "ريش" وتاريخ "ريش" ذاته، قد نلمح منه أن للمكان قيمة أكبر من الموجود؛ قيمة ترتبط بالذي حدث وانتهى وكُتِب وتكررت كتابته؛ من أجل أن يظل ثابتاً لا ينمحي كما انمحى الزمن الماضي وذاكرته والحدث.

 

وتضيف صقر: "ما يهمني هنا هو توصيف مرحلة ما، بما لها من علاقة بالجغرافيا، فما اشتغلتُ عليه بادٍ في حكايات الغير، لذلك ركزتُ على تتبع دروب الوثائق ومساربها التي تختلف من ورقة إلى أخرى، فتقع في غرام الاكتشاف والتلصص على ما هو بالغ الدقة، والذي لا يمكن أن يقوم به بحث أو كتابة مستقصية لكل تلك التفاصيل، من تغيير اسم المكان، ومن اختلافات ونماذج متعددة لشكل واحد، له أشكاله الإطارية المأخوذة من بنية أخرى، وكأننا نلوي عنق الحكاية الواحدة ثم نعصرها، ثم نولِّد منها الكثير من الحكايات المحكية من قبل، والتي تكررت مرات ومرات".

 

الجهد المبذول في هذا الكتاب شمل قيام ميسون صقر بتحليل هائل من الوثائق لفترة بدأت تتغير فيها خريطة وسط القاهرة من منطقة تضم قصوراً متناثرة هنا وهناك، إلى معنى المدينة المفتوحة التي تتوسط كل شيء وتجذب كل شيء، بحيث تحدد لنا تلك الوثائق طبيعة العامل والسلوك العام مع الإدارة والبوليس والقوانين، جنباً إلى جنب مع علاقة المقهى وتطوره كمقهى للجلوس فيه، وكمسرح داعم لمفاهيم فنية حديثة، مع حداثة المدينة في ذلك الوقت. ولا بد من التنويه –تقول ميسون صقر– إلى أن حفلات "ريش" الغنائية وعروضه المسرحية كانت أشبه بانحياز مصري للفنون حيث قدّم أشهر المغنين والمسرحيين المصريين في ذلك الوقت، في حين اصطبغت الحفلات في محل "غروبي" المجاور مثلاً، بطابعها الغربي.

 
 

استنطاق الماضي

هذا بحسب ميسون صقر أيضاً قد يعني أن مقهى ريش الذي أنشئ على غرار المقاهي الفرنسية، عام 1908، انتمى إلى الوجود البشري المصري في فترة تعددت فيها الهويات، باختياراته الفنية والسياسية والثقافية فكان من المؤسسات غير الرسمية التي يتشكل فيها الرأي والرأي الآخر، مثله مثل الكثير من المقاهي في لحظات التغيير أو الأزمات.

 

تستنطق ميسون صقر في هذا السفر الضخم، المروي من قبل وتعيد صياغة الحكايات بشغف مُحِب، يبحث - بتعبيرها - لا عن الجديد، ولكن عن الاختلافات في كل حكاية، وعن الغريب من كل حكاية، وعن تلك الطبقات المتعددة من الحكي والإضافات. تكشف حكاية لتظهر أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية، بما كان يستولده هذا المقهى القريب من ميدان طلعت حرب (يتوسط شارعاً كان يسمى سابقاً شارع مصر العتيقة) من دلالات ومن لحظات سابقة وإن كان في لحظة خفوته أو تحوله.

 

ويبقى جوهر "ريش" – تقول ميسون صقر – في حكاياته التي لا تنتهي ولا تنقطع، فكيف لمقهى مستمر تنتهي حكايات رواده وكيف لمدينة حية بالبشر أن ينقطع فيها الحراك ويصمت الحديث؟

 

ويبقى أن لمثل هذا السؤال أهميته في ظل سير القاهرة، بزخمها المعماري وألقها الثقافي والاجتماعي والسياسي، نحو مصير مجهول في المدى المنظور، بعدما تقرر أن تكون لمصر عاصمة أخرى غير تلك المدينة المنطوية على تراكم تفاعلات تاريخية عبر ما يزيد على ألف عام، ما جعل اسمها مقترناً في أذهان عموم المصريين باسم مصر ذاتها، وجعل المفكر الراحل جمال حمدان يقول عنها إنها "مدينة معتقة أكثر مما هي عتيقة".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم