إعلان

كتابٌ مدهشٌ لجورج بيريك... بعد 40 عامًا على رحيله

المصدر: بيروت- النهار العربي
أحمد المديني
جورج بيريك
جورج بيريك
A+ A-

 هو موسم المفاجآت الأدبية الممتعة هذا العام في فرنسا. حافل بالجديد غير المتوقّع، يصقل الذاكرة الأدبية ويحيي رِمَمَ أدباء كبار مجددين في كتابة مغامرة في البناء والأسلوب، رأينا منها الأسبوع الماضي فردناند سيلين (1884ـ1961) في روايته المكتشفة "Guerre"* (حرب).

 

ونقف اليوم على نص فريد في تكوينه ونسقه الفني، وعند كاتب أعاد النظر جذرياً في كتابة الرواية والسيرة الذاتي في خريطة الأدب الفرنسي المعاصر ومنه الغربي وإلى أدبنا. نحن مع جورج بريك (1936ـ1984) في كتابه الضخم "Lieux" (أمكنة) عن دار سوي الباريسية، بما يمثّل ثروة نصية فريدة في السجل الكبير المثير لهذا الكاتب.

 

إنّ لهذا العمل، الذي نُشر كاملاً بعد أربعين عاماً على رحيل مؤلفه، وبصيغة تحريرية ورقمية وصورية وثائقية، أيضاً، تاريخاً طويلاً ومتعددَ الحلقات، نكتفي بالإشارة إلى أهمها في علاقة مع المسار الأدبي الغني، الطويل النفس لصاحبه رغم قصر عمره.

 

كتابة ذاتيّة

في رسالة إلى موريس نادو الكاتب الناقد والناشر (17يونيو/ حزيران 1969) أحاطه علماً بمشروع أوتوبيوغرافي شامل يستعدّ له في أربعة أعمال، الأخير منها هو "أمكنة"، يقول إنه سيستغرق اثني عشر عاماً ليكمله. زمن مديد لا شك يوحي بجهد شاق، وهذا عمل الموسوسين النظاميين من نهجوا خطاً مختلفاً للأدب عن السابقين.

فهو انتمى بعد صدور روايته الأولى "الأشياء" les choses  (1965 جائزة رونودو) إلى جماعة L’Oulip (مخزن الأدب المحتمل)، وهي حركة ظهرت في أواسط القرن العشرين هدفها اكتشاف طاقات جديدة للغة وتحديث التعبير عبر ألعاب الكتابة.

 

اشتهرت الجماعة بتمارينها الرياضية جرّبتها على الكتابة، بما يؤدي إلى مناورات إبداعية، برهان لوليب الأساس اعتماد خطة الإكراه للانقلاب على التقاليد الأدبية بغية التجديد، نُشبِّهها، مع الفارق، بلزوم ما يلزم المعتمدة عند المعري (973ـ1057) في اللزوميات.

 

هي ما طبق بريك في روايتين عرف بهما: La disparition (1969)، لم يستعمل الصائت e قط، وهذا إعجاز، ليعود في روايته "Les revenantes"(1972) إلى الاقتصار عليه وحده صائتاً. وسيتأكد التزامه بالمدرسة الأوليبية ليصبح علمَها الأبرز بروايته المدهشة في بنائها وتصميمها القائم على خطاطة هندسية رياضياتية اعتمدها لاحقاً في معظم أعماله، مثل مهندس معماري مع رؤية تجسيدية تشييئية منفوضة مطلقاً من الرأي والشعور، وإن احتفظت بنزر من الحكاية، وتفصيله يطول، حسبنا القول إن  la vie mode d’emploie" (1978) هي فن "البازل".

 

 

باريس في 12 مكاناً

 على هذا المنوال - وربما أعقد - بُنيت وأُعدت وأُخرجت وصُنّفت وخُبّئت نصوص الكتاب غير المسبوق لجورج بريك "أمكنة" صياغة لما قرر المؤلف سلفاً، وقال عن موضوعه وبرنامجه: "اخترت في باريس اثني عشر مكاناً [من هنا عنوان أمكنة] هي أزقة وساحات ومنعطفات، مرتبطة [عندي] بذكريات وحوادث أو بلحظات مهمة من وجودي.

 

كلّ شهر أصف اثنين من هذه الأماكن، في المرة الأولى، في المكان عينه (مقهى أو الزقاق نفسه)، أصف (ما أرى) بكيفية حيادية تامة ما أمكن، فأعُدُّ المتاجر، بعض تفاصيل المعمار، حوادث جزئية من قبيل سيارة إسعاف عابرة، سيدةً تربط كلبها قبل ولوجها محل جزارة(...)؛ وفي مرة ثانية، حيثما أكون أعود فأصف المكان من الذاكرة: "أجلب الذكريات القرينة به، الناس الذين عرفتهم فيه الخ".

هل هذا كل شيء؟ نحن أبعد عن نص يُكتب لينشر. إن صاحبه يضعه مباشرة في ظرف ويختم عليه بالشمع: "في مدى عام سأكون قد وصفت كل مكان مرتين، على طرز الذكرى، وأخرى بوصف عياني حقيقي". وماذا أيضاً؟ سأستأنف [هذا الشغل] طيلة اثني عشر عاماً". يضيف أنه سينظم هذه الأزواج بناءً على لوحة في شكل مربعات متعامدة لها نظام ( carrés bi-latin orthogonaux) أمدّه به صديق هندي عالم رياضيات.

 

نصوص مختومة

نترك جانباً هذا التوزيع لنتعرف ماذا سيفعل بريك بنصوصه المختومة بعد أن ترقد الزمن الطويل المحدد لها، فقد قرر إنهاءها في كانون الأول/ يناير 1980 وبدايتها من 1969. سيُخرجها من الأظرفة ويعيد قراءتها ونسْخها من جديد، كثير منها كتبه على وريقات وبخط خربشات. ما النتيجة المرجوة من هذه العملية المركبة المعقدة والتخزين؟ لا شيء مؤكد عنده، اللهم تخمينات يعبر عنها كالآتي: "أظن أنه سيرى في وقت واحد، شيخوخة المكان، وشيخوخة الكتابة، وشيخوخة الذكريات" أو ما يعبر عنه واصفاً أصالة مشروعه بقوله: "الزمن المستعاد يختلط بالزمن الضائع. والزمن يلتصق بهذا المشروع مكوناً بنيته وإكراهه، وعندئذ فالكتاب لا يبقى استرجاعاً لزمن مضى ولكن مقياساً لزمن يجري، زمن الكتابة الذي كان حتى الآن وقت لا شيء، ميتاً، نتظاهر بتجاهله...".

 

كل هذا جيد لو أمكن للمشروع وهذا المفهوم أن يتبلور بالكامل ويصل إلى النهاية القصوى (1980) بينما توقف سنة 1975 مع بياضات في ما غطى، وخلال إنجازه كان صاحبُه يمر بمصاعب وتحولات شتى، سيكولوجية وعاطفية ومادية وجمالية تخص كتابته بالذات وكيفية تدبير السير ذاتي محورها ومادتها، رغم التحويرات والأقنعة كما هي روايته" W.ou le souvenir d’enfance"(1975) حيث المزاوجة بين سرد روائي موضوعي لشخصية في قصة متخيلة، وآخر يرصدها على صعيد ذاتي محض بمثابة اكتشاف الكاتب لنفسه. وهذا يتكرر في أعمال أخرى أهمها  "les lieux".

 

 

المتاهة

ليس غريباً أن فليب لوجون المنظّر المعلم لفن السيرة الذاتية الحديثة هو من أشرف بمعية سيدة من قرابة المؤلف على إخراج هذا الكنز من مخبئه (أظرفة بريك المختومة (288) ومخطوطاته موضوعة في"Fonds George Perec .Bibliothèque de l’Arsenal") وتفكيكها وترتيبها وإعدادها، مع فريق من النساخ والمراجعين والمدققين، لتأخذ هيئة ونظام الكتاب الذي تُعد نصوصه متاهة في تكوينها الزوجي وتواريخها المتقابلة المتقاربة والمتباعدة، بما أن المكان الواحد يوصف مرتين عياناً وتذكّراً، وتتكرر العملية أعواماً بالتتالي، وأنت لا تجد المكان هو ذاته والوصف يتغير لأن الزمن، بطبيعة الحال، يمر، لكن هل تغيرت الكتابة فعلاً؟ سؤال يضعنا في قلب المشروع الأوليبي (Oulipien) والأدبي ـ بالأحرى اللاّ أدبي لبريك.

 

عند فليب لوجون، وهو مبتلى بتكييف كل سرد للتجنيس الأوتوبيوغرافي، فقد وجد عند هذا الفأر الذي يصنع متاهته بنفسه، حسب تعريف جماعته، ليتكبد مشقة الخروج منها، ضالته منحه مائدة حافلة جرّب فيها ما هو أكثر مشاكسةً من مفهوم الميثاق المبذول والسهل، ولكنه بقي عند التقويم العام مفادُه أن عمل بريك هو مشروع بحث للأدب نزَع إلى صوغ سيرة ذاتية مجدِّدَة حيث تنضم الكتابة إلى مؤهلها، ولكي يصالحه لوجون مع قواعد نظريته المبنية أيضاً على مركزية (الأنا) وظهورها الصريح، وصف عمل مؤلف "الأمكنة" في دراسته" la mémoire et l’oblique" (1991) بـ"كتابة أوتوبيوغرافية غير مشخِّصة تقدم ربما منذ ستاندال نوعاً من فينومينولوجيا للذاكرة".

 
 

أجل، ما دام جورج بريك قد كتب الأنا، حسب كلود بيرغولان مقدم كتابه، بإلغاء الذات، ليس عنده رغبة لبناء صرح "من أنا "Qui suis-je". ورغم أن ضمير المتكلم يقود الكلام، فإنه لا منزلة بتاتاً لإخراج مشهدي للأنا أو إشهار لها. الحق أن أساس مشروع بريك ينهض إضافة إلى ما قدمنا على توفير بنية موضوعية لكتابة الذات، وهذا وعي فكري مدروس يناسب نظرياً جماعة (لوليبو) تعرّف مذهبها بأنها: ليست حركة أدبية، وليست سيمناراً علمياً، ولا هي أدب لعب صُدفوي. بداهة نحن أمام نهج تجريبي ولكنه مبني على تصور واضح مقتضاه عند مؤلف "أمكنة" الاقتصاد والنظرة المحايدة وإحصاء الأشياء، وهو عينٌ ترقبها عدسة كاميرا تصطف فيها المواد إلى جانب بعضها ومتشظية، أيضاً، ولدى العودة إليها لرسمها بالتذكر ترد "منزوعة الدسم" كما توصف بعض مشتقات الحليب، لا يستعمل أي نعت أو تجميل. لكن هذا لا ينفي حضور ضمير المتكلم، والذي يعزز وصفه الإثني عشري للأماكن الباريسية المختارة بتوثيق دقيق، وحرص على وضع فهرسة وثبت بجميع الأسماء والإشارات والتلميحات لكل نص على حدة، مكملة للنصوص بل هي جزء منها، بما يلزم القارئ للذهاب والإياب بينها، ونظراً للخطة التي بُني بها المشروع كله، فنحن أمام كتابة كما وصفها إمبرتو إيكو في حركة(En mouvement) وتنتج كما تحفز على قراءة تفاعلية، ونظراً لتعددية المواد البانية لها فإننا بصدد نص جامع(hyper texte).

 

برسم الختام، لا يفوتني التنبيه إلى أن هذا العمل الضخم والمثير معماراً ونصاً هو، بعد هذا وذاك، يجمع في نظري ثلاثة فنون: فن كتابة السيرة الذاتية. فن الكتابة عن المكان. فن كتابة الذاكرة. فن العيش في المدينة، هنا هي باريس وهي أمّ المدن. إن كثيراً مما وصفه بريك قد زال أو في طريق الزوال ولكنه خالد في" Lieux" لا تزول. أما إذا كنت تعيش في هذه المدينة أو درست أو عرفتها، فإنك ستستغرب كيف أنك رأيت ولم تر كل ما دوّنه Perec فتعود إليه لتكتشفه، مشاهداً أو كاتباً. واسمحوا لي أن أقحم نفسي في هذا الحديث الموضوعي فأقول أنا من كتب غزيراً وبعشق عن هذه الأرض، تعلمت درساً من فنون ما ذكرت، وتحفزني لكي أتعلم الكتابة عن المدن وتشغيل الذاكرة وفهم الأدب وإبداعه عموماً بطريقة مغايرة تماماً.

*نلفت النظر إلى أننا نحرص على إثبات أسماء الأعلام الأجنبية في أصلها لتفادي الخطأ في النطق به. ثانياً، وضع العناوين الأصلية للكتب بالحرف اللاتيني خصوصاً منها غير المترجمة ليهتدي لها القارئ كما يجب.

 

   

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم