إعلان

ولادة جديدة لجبران "هذا الرجل من لبنان" ووثائق عنه جديدة (2 من 2)

المصدر: بيروت- النهار العربي
رؤوف قبيسي
جبران مع نعيمه وعريضة وعبد المسيح
جبران مع نعيمه وعريضة وعبد المسيح
A+ A-

الحلقة الأولى عن الكتاب نشرت في "النهار العربي" في تاريخ 2020-9-12

 

  

جبران والجنسية الأميركية

 

أمر آخر لم يجل الكتاب سرّه، هو موقف جبران من الجنسية الأميركية، فهو لم يقدّم طلبًا لنيلها كما فعل معظم رفاقه في "الرابطة القلمية"، إن لم يكن كلهم، ومنهم نعيمه الذي التحق بالخدمة العسكرية في الجيش الأميركي في باريس لمدة سنة مع بدايات الحرب العالمية الأولى، وقد حدثنا نعيمة عن تلك التجربة من حياته في مذكراته "سبعون". قد يكون ان روحانية جبران ردعته عن طلب الجنسية الأميركية، لعلمه أن ذلك سيفرض عليه خدمة عسكرية لا تنسجم ومعتقداته، أو أنه أراد أن يبقى لبنانيا صرفاً، أو لبنانياً - سورياً بدافع من حمّية وطنية قومية، أو أنه كان ينوي أن يرحل عن أميركا كما دخلها، أو بدافع خفي من الوفاء لأمه التي كان يحبها حتى العبادة، والتي جاءت به إلى أميركا بشراويا، فآثر أن يعود إلى بلاده بشراوياً كما ولدته أمه، ويُدفن في مسقط رأسه بشرّي.                                                                 

تكشف الوثائق التي عرضها هنري زغيب أن جبران دخل أميركا مع أمه وأخيه بطرس وشقيقتيه، مريانا وسلطانة تحت الاسم العائلي رحمة، وهو الاسم الثاني لأخيه غير الشقيق بطرس رحمة، من زواج أمه السابق من عبد السلام رحمة.

أمّا اسمه الأول، فقد غيّرته له معلمته في مدرسته الأولى في بوسطن من جبران إلى خليل، وهو الاسم الذي اشتهر به في الغرب، بينما بقيت كتاباته العربية ممهورة باسمه الكامل الذي نعرفه، أي جبران خليل جبران.

كان جبران معروفا بالأديب السوري، إلى أن أسست دولة لبنان الكبير سنة 1920، فصارت اللبنانية جنسيته، لكنه بقي يُعّرف عن نفسه بأنه سوري، وفي حالات أخرى بأنه لبناني. هذا في الظاهر، أما ما كان في وجدانه، فمزيج فريد من مكونات لبنانية وسورية وعربية وهندية واميركية وكونية، ذلك ما تفيض به كتاباته لمن يعرف كيف يقرأها.

كثيرة هي المعلومات  التي يحفل بها القسم الثاني من الكتاب، منها ما هو جديد لم ينشر من قبل، ومنها الذي لا يعرفه إلا القلائل، من ذلك مقال فيه وصف دقيق لمحتويات "الصومعة "، محترف جبران في الشارع العاشر غرباً في نيويورك، بقلم ميخائيل نعيمه، ومقال آخر للمونسنيور منصور إسطفان، وكان زغيب قابله في لبنان في العام 1983، وحفل تكريم جبران في "ديترويت " أقامها على شرفه، "النادي التقدمي السوري الأميركي" مع صورتين نادرتين، إلى جانب وثائق وصور كثيرة، عن مأتم جبران المهيب في كنيسة سيدة الأرز في بوسطن، ومأتمه في بيروت، ونص وثيقة شراء دير مار سركيس في مسقط رأس جبران في بشري، وهو الدير الذي طالما تمنى جبران أن يمضي فيه بقية عمره، ونفذته له شقيقته مريانا بعد رحيله. هناك أيضاً نصوص وقصائد لباربره يونغ عن جبران، حصل عليها زغيب من دوريات أميركية وصاغها عربيا، من بينها مقال في مناسبة مرور سنة على وفاة جبران، نُشر في مجلة "العالم السوري" لصاحبها سلوم مكرزل، كما قدم لنا صفحة عن حياتها ونشأتها، وصفحات أخرى مما كتُب عنها بأقلام نعيمه واسكندر نجار، ورياض حنين، وفرجينيا حلو، وجين وخليل جبران في كتابهما الذي وضعاه بالإنكليزية عن جبران، تحت عنوان "خليل جبران – أبعد من الحدود".

غلاف الكتاب

 

جثمان جبران

هناك ايضًا مقال ليونغ عن مأتم جبران في بوسطن، وآخر عن مراسم وداع جبران على مرفأ "بروفيدنس" في رحلة العودة إلى لبنان، تلاه فصل آخر عن وصول جثمان جبران إلى بيروت، والرحلة الأخيرة إلى بشري، ومقالات رثاء من رفاق جبران في "الرابطة القلمية": إيليا أبو ماضي، نسيب عريضة، ندرة حداد، رشيد أيوب، وليم كاتسفليس.

من الصور أيضاً، صورة نادرة لغلاف كتاب عنوانه "السنابل"، يضم منتخبات من مؤلفات جبران، وهو هدية تكريمية من رفاقه في الرابطة القلمية"، إلى جانب لقاء مثير بين زغيب والنحات اللبناني الأصل خليل جبران، وكان والد هذا الأخير، ابن عم جبران. يحكي زغيب لنا وبمسحة عاطفية، كيف التقى الرجل، وكيف زاره في البيت ووجد عنده كتاباً بالإنكليزية عن مسرحيتين لجبران، "لعازر وحبيبته"، ومسرحية "الأعمى" نقلهما زغيب إلى العربية. في الحديث معه عرف أن جبران كان عرابه في المعمودية، وعنه يقول زغيب "أنه وضع مع زوجته جين، أهم بيوغرافيا مفصّلة وموثقة عن جبران". في الكتاب أيضاَ حوار شائق، أجراه زغيب مع اندروغريب سنة 1990، وفيه يحكي غريب عن لقاءاته مع جبران ونعيمه، وباربرا يونغ. أما القسم الثالث من الكتاب، فصور مجلات وصحف من الزمن الذي عاش فيه جبران، واغلفة كتب ورسائل، وصورة لماري عزيز الخوري وهي صبية، وأخرى وهي سيدة. كانت ماري الخوري فتاة ثرية وابنة لرجل ناشط في تجارة المجوهرات، وكانت محبة للفنون والأداب، وتبتاع من جبران، بين حين وآخر، بعضاً من إعماله الفنية. وكان زغيب نشر مقالا عنها في موقع "النهار العربي" وألقى بعض الضوء على ما كان بينها وبين جبران من علاقة.

من الصور أيضاً، صورة للشاعرة جوزفين بيبدي، التي تعرّف جبران إليها في مطلع شبابه، ويقال إنه ارتبط معها بعلاقة غرامية، وصور لماري هاسكل مع الطالبات في مدرستها، وصورة لمدرسة "كوينسي" التي انتسب إليها جبران، وهو في الحادية عشرة من عمره بعد وصول عائلته إلى بوسطن.

 

رسائل جبران وماري هاسكل

ولعلّ أهم "كشوفات" الكتاب تلك الفصول الممتعة، المتصلة بالرسائل المتبادلة بين جبران وماري هاسكل كما نقلتها فرجينيا حلو، وهي باحثة أميركية من أصول لبنانية ذهبت إلى جامعة "نورث كارولينا" ونبشت الكثير من تلك الرسائل من مكتبة الجامعة. تكتب فرجينيا حلو" نهار الإثنين 20 نيسان أمضت ماري طيلة النهار في المحترف تحزم عدداً كبيراً من الرسائل والمخططات والملاحظات والرسوم والمخطوطات. عملت ماري وحدها في المحترف، لأن باربره كانت متوعكة.

كانت اقترحت على ماري الاتصال بميشا (ميخائيل نعيمه) في إدارة مجلة "العالم السوري" فجاء نعيمه إلى المحترف الساعة الخامسة مساء، وساعدها بضع ساعات على جمع الرسوم والأغراض، ووضعها في خزانة جعلا لها قفلاً، وجعلا قفلاً آخر لباب المحترف. قبلها بأيام كانت ماري وباربره سحبتا من بين الأغراض المكدسة صندوقاً كبيراً، حين فتحتاه وجدت ماري فيه رسائلها إلى جبران منذ عرفته، وأخرى وهو في باريس، ورسائلها حين غادر بوسطن إلى نيويورك.

مئات الرسائل كتبتها إليه خلال عشرين عاماً. حين تنبهت باربره إلى تلك الرسائل وما تمثله في حياة جبران، طلبت إلى ماري إتلافها، لكن حين كانت ماري في المحترف لوحدها في 20 نيسان، حزمت تلك الرسائل وودعت ميخائيل نعيمه وركبت قطار الساعة العاشرة والنصف ليلا وعادت إلى بيتها في سافانا. بعد أيام كتبت ماري إلى باربره يونغ أنها لا توافق على إحراق تلك الرسائل، لأنها كانت دائماً مؤمنة بجبران وبعظمته، تالياً ترى أن هذه الرسائل بما فيها من تفاصيل علاقتهما، تؤرخ مرحلة أساسية من حياة جبران، ويستحيل إتلاف هذه المرحلة. وفي بيتها بهدوء وغفلة عن زوجها، جاءت برسائلها إليه كما جمعتها وضمتها مع رسائله إليها وكانت محتفظة بها جميعاً، وبقيت محفوظة لديها إلى أن أودعتها مكتبة جامعة نورث كارولينا، وهي لا تزال محفوظة بعناية فائقة إلى اليوم".

ماري هاسكال

 
 

تحامل على ميخائيل نعيمه                                        

قلنا في ما سبق، إن هنري زغيب كان موضوعيًا في حكمه على نصّ باربره يونغ، ولم يفتنه حبه جبران عن حجب حقيقة رآها، لكنه بدا من ناحية أخرى، ولو من غير قصد، كما لو أنه يشارك رأي من قال إن نعيمة أساء إلى جبران.

وبينما تقول يونغ إن أحد أعضاء الرابطة القلمية خرج عن الإيمان بغايتها، ولم تشأ أن تذكر اسمه، سارع هنري زغيب إلى القول إنه ميخائيل نعيمة "نظرا للود المفقود بينه وبين جبران"، وفق قوله.

 قد يصح قول زغيب أن نعيمه هو من خرج من الرابطة، ولو أننا نشك في ذلك، يبقى أن هذا "الخروج"، وإن حُسب على نعيمه، ما كان يحصل لو بقي جبران حياً، بل حصل بعد رحيله، وهذا أمر طبيعي، لأن جبران رحل في العام 1931، ونعيمه عاد إلى لبنان في العام الذي تلاه، أي 1932.

أمّا قول زغيب "إن الود بين جبران ونعيمة كان مفقوداً" فبعيد عن الحقيقة، في نظرنا على أقل تقدير. قد يكون هنري زغيب بنى موقفه على ما طالعه في كتاب نعيمة عن جبران، ووجد فيه إساءة إلى جبران، وجدها قبله أدباء كبار، مثل أمين الريحاني، وعيسى الناعوري وغيرهم، علماً أن نعيمة في كتابه ذاك، الرائع، لغة وخيالاُ واسلوباً، أراد أن يصور جبران كما عرفه في الحياة الواقعة، لا كمرشد أو قديس، كما صنعت باربره يونغ. فأبى أن يقدم عنه صورة "لا وزن بين ظلالها وانوارها" على حد قوله، معتبراً أنه لولا تلك الصراحة التي تحدث فيها عن جبران "لانطمس أجمل ما في حياة جبران، وهو صراعه المستتّب مع نفسه، لينقّيها من كل شائبة، ويجعلها جميلة كالجمال الذي لمحه بخياله، وبثّه بسخاء في رسومه وسطوره".

ليس صحيحًا أن نعيمه حذف من الترجمة الإنكليزية فصولًا ندم على كتابتها في النسخة العربية، كما يقول بعض منتقديه، خصوصاً ذلك الفصل المتعلق بالسيدة الأميركية، التي كان يختلف إلى دارها في مطلع صباه، والتي كانت بينه وبينها ليلة حمراء، والفصل الآخر المتعلق بزيارة ميشلين له في باريس، علماً أننا اطّلعنا على النص الإنكليزي، فإذا تلك الفصول هي ذاتها في النسخة العربية.

ما كان بمقدور نعيمه أن يكتم كلمة سبق وقالها، وقد رد قبل ذلك على الذين عاتبوه على بوح بعض "أسرار" جبران الجنسية في كتابه قائلاً: "إن أنا كتمت هذه الاسرار، فما معنى الذي أكتبه؟ أأخون نفسي والقارئ وجبران، بكتمان ما ليس مكتوماً في سجل الحياة الكبرى، وإن يكن مستوراً على الناس"!

نكاد نقطع على أي حال، بأن ماري هاسكل قد أخبرته عن تلك العلاقات، أوأن جبران نفسه قد أخبره بذلك في سياق الأحاديث الطبيعية التي يتبادلها الرجال عن النساء، أو تلك التي تتبادلها النساء عن الرجال! لم يكن نعيمة في رأينا حاسداً لجبران، أو أنه أراد أن يهبط بكفة جبران ليرفع من قدر كفته، علماً أن في القسم الثاني من الكتاب مقالاً بالإنكليزية عن جبران كتبه نعيمة في مجلة "ارامكو" ونقله زغيب إلى العربية، يكشف بما يبدد أي شك، عن حب نعيمة ووفائه لجبران، لا بل هو من الوضوح أن حمل هنري زغيب نفسه على القول "إنه أجمل ما يُمكن أن يكتب صديق وفيّ عن صديقه الغائب"!

نعتقد أنه لو امتد العمر بجبران، إلى ما بعد عام وفاته سنة 1931، لبقي نعيمه في نيويورك صديقاً وأخا وفياً لجبران، وعضواً ناشطاً في "الرابطة القلمية"، لكن رحيل جبران أمضّه وأحزنه وحمله على العودة إلى لبنان في السنة التي تلت. وفي الفصل الذي عنوانه "تخليد جبران" من كتاب نعيمه، جملة تكفي وحدها لأن تكون دليلاً لا يخالطه أدنى شك، عن حب نعيمه لجبران وتقديره أدبه، إذ وصفه بأنه "أعظم كاتب ظهر في الشرق منذ أجيال"، قول لم يقله او يكتبه أي من محبي جبران، والمعجبين بفنه وأدبه حول العالم، بمن فيهم باربره يونغ نفسها!  

ما سبق من "تحامل "على نعيمه، يمكن قبول بعضه أو كله، ولو بشيء من التحفظ. غير أن الحد الذي ظننت على العزيز هنري أن يصل إليه في هذا "التحامل"، ولو أنه من صنع غيره، فنعوت قاسية بحق نعيمه وردت في الكتاب مثل "نزالة وحقارة وقذارة"، لا تليق بكاتبها عيسى الناعوري، ولا بحق كاتب متفرد حاذق مثل ميخائيل نعيمه حتى لو أخطأ، علماً أن كتاب نعيمة يقبل وجوهاً مختلفة في التفسير كما سبق القول، ما لا يجوّز لأي شارح، ان يمتلك الحقيقة بشأنه، أو يدّعي أنه يمسك وحده مفتاح قلب نعيمه ليبيّن لنا كيف كانت مشاعره نحو جبران وغير جبران من البشر.

هناك الكثير من الكتابات التي تؤكد أنّ أواصر الودّ بين جبران ونعيمه، لم تنفصم عراها في أي يوم، وبقيت قائمة إلى اليوم الأخير من حياة جبران، تؤكدها بنوع خاص، تلك الرسائل الحميمة بين الأديبين الكبيرين، وعبارة "أخي الحبيب ميشا" التي كان جبران يفتتح بها رسائله إلى نعيمه.

 

الرابطة القلمية

ما كنا في حاجة إلى هذه "المداخلة" الطويلة عن نعيمه، والتي أخرجتنا بعض الشيء من التركيز على  كتاب "هذا الرجل من لبنان"، لو لم ترد فيه تلك الكلمات المجحفة بحق ميخائيل نعيمه الذي لا تقل مكانته الفكرية والأدبية في نظرنا عن مكانة جبران، أو لو قابلتها في أقل تقدير، عبارات مديح وإطراء في نعيمه وهي كثيرة، من جانب من  قرأوا كتابه وأعجبوا به، أو من قبل من عرفوا جبران ونعيمه معاً، وشهادة هؤلاء أصدق الشهادات، مثل الشاعر رشيد أيوب، رفيقهما في "الرابطة القلمية"، الذي أثنى على نعيمه وقال: "هكذا فليكتب الكتاب"، أو الشاعر نسيب عريضة، رفيقهما الآخر في "الرابطة"، الذي كتب عنه سلسلة مقالات مطولة،  ذلك ما تقتضيه أمانة عرض النقيض بالنقيض، خصوصاً أن نعيمه لم يعد حيا ليدفع عن نفسه ضد ما يُساق إليه من تهم ما برحت بعدُ في دائرة الشك. مهما يكن، لا نجد بعد هذا كله، من التعقيب المضاف على ما ذكرناه، أفضل من قول المعري العظيم" لا تظلموا الموتى وإن طال المدى/ إني أخاف عليكم أن تلتقوا"!

 بقي من الحق أن نقول، إن ما أبديناه من نظرات وملاحظات، ليس شيئاً في ميزان النقد، بالقياس إلى أهمية الكتاب، وإلى مقدّري أدب جبران وفنه عموماً، والعاملين منهم في حقل الدراسات الجبرانية بنوع خاص، وأيضاً إلى ما بذله هنري زغيب من جهد في إنجاز هذا الكتاب. الشكر له كل الشكر مع ذلك، والثناء عليه كل الثناء، والثناء والشكر موصولان ايضاً للجامعة اللبنانية الأميركية، لما تبذله هي الأخرى من جهود مضنية، حفاظاً على ما هو جميل ونضر في تاريخنا وتراثنا، يضاعف الحاجة إلى ذلك كله، ما نشهده في هذه المرحلة الصعبة من حياتنا، المليئة بصور البؤس والبشاعة والمرارة.

يبقى الأمل، أن يحفظ الزمن لهذه الجامعة، ولصديقنا الشاعر، صنيعهما هذا الطيب الجليل، ويسجله لهما بأحرف من نور.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم