إعلان

ليلةَ نِمْتُ في غرفة طَه حسَين

المصدر: النهار العربي
عبدالله نعمان
طه حسين (1889 - 1973)
طه حسين (1889 - 1973)
A+ A-
 
 

كان ذلك في خريف 1969، بعدَ شهورٍ من وصولي إلى مدينة نانْسي لتحضير أطروحة الدكتوراه في الأدب الفرنسيّ.

ذات يومٍ قصدتُ باريسَ لقضاء عطلةٍ قصيرة، في أول لقاءٍ لي بعاصمة النُّور. وصلتُ "المحطَّةَ الشَّرقيَّة"، وانتقلتُ إلى الحيِّ اللاتينيّ حيث الحياة الطالبيَّة زاخرة، وصناديقُ الكتب والمكتبات تتلاصقُ وتتجمَّع، والجامعاتُ العريقةُ تنشرُ العِلمَ بخمسين لغة.

قصدتُ الحيَّ اللاتينيَّ لأنَّه شعبيٌّ رخيصٌ في متناوَل الطَّلبة الكادحين. فالجيبُ تلك الفترة لا يذخرُ إلا بوُرَيْقاتٍ قليلةٍ كانَ عليَّ أن أتحسَّسَها بين ساعةٍ وأخرى، وأجمعَها وأطرحَها كي لا تنتهيَ زيارتي القصيرة لباريس وقد نفدَتْ كلُّها، مُعَلِّلًا نفسي بالرُّجوع إلى مقرِّ إقامتي، ومعي كتاب أو كتابان زوَّادَةً لمِشوار العودة بالقطار.

شارع غاي لوساك، والفندق عند زاويته

 
 

شارع الأدب والعلم

توقَّفَتُ في شارع غاي لُسَّاك (Gay-Lussac) الَّذي استُحدِثَ عامَ 1864 تخليدًا للعالِم الكيميائيِّ والفيزيائيِّ، وهو شارع طويلٌ يُفضي إلى أحد مداخل حديقة اللُّكْسَمْبُرْغ الشَّهيرة، ولا يبعُدُ كثيرًا عن مقبرة العظماء، البانْتِيون.

مشيتُ في هذا الشَّارع فمررْتُ عند لوحةٍ تذكرُ أنَّ الممثِّلَ المسرحيَّ موني سولي (1841-1916) ماتَ في البيت رقم 1 من هذا الشَّارع الذي فيه كذلك أقامت الأديبة جورج سَاند في البيت رقم خمسة، و عاشَ الشَّاعرُ بول فور في البناية رقم 34.

بدأتُ أشعرُ بالتَّعب والجوع، فكان لا بدَّ من اختيار فندق متواضعٍ أتركُ فيه حقيبتي، ثمَّ أخرجُ للبحث عن مطعمٍ متواضعٍ كذلك لأتناولَ غدائي. وتحاشيتُ طبعًا الفنادقَ الفخمة، الكثيرةَ في ذلك المكان. وما هي حتَّى وجدْتُني أمامَ الرَّقم 50 من الشَّارع عينِه، أمام فندقٍ "يتباهى" بنجمةٍ واحدة، ويحملُ اسمًا يتناقضُ مع شكله البسيط: "فندق التَّقدُّم" (Hôtel du Progrès).

دخلتُ، وإذا بامرأةٍ قصيرة تُبادرُني:

-غرفتنا تكلِّفُكَ أربعين فرنكًا مع فطور الصَّباح. وأخرجَت من جارورٍ أمامَها بطاقةً، وسألتْني:

-اسمُكَ؟ عمرُكَ، و...

-فلمَّا قلتُ لها اسمي قالت:

-أنتَ مِصريّ؟

-لا، بل لبنانيّ.

-إنتظرْ لحظةً من فَضلك. 

 

 

غرفة الطالب الضرير

دخلَتْ إلى غرفة مجاورة خرج منها بعد لحظات عجوزٌ تسعينيٌّ تقدَّمَ نحوي ببطءٍ وتثاقل، وسعلَ مرَّتَين، وقال:

-يا بُنيّ، أنا صاحبُ هذا الفندق الصَّغير، وكثيرًا ما جاءَني طلبةٌ مَشرقيُّون مثلكَ، كانَت زوجتي تُعِدُّ لبَعضهم وجبات الطَّعام، وتقومُ بغَسل ثيابهم. وأذكرُ أنَّني في العشرينات أسكنْتُ عندي شابًّا مِصريًّا ضريرًا، كان يَجيءُ برفقة حسناءَ فرنسيَّةٍ تساعدُه في دراسته. وبعد سنواتٍ من عودته إلى بلاده، أخبرَني طلبَةٌ مَشرقيُّون آخرون أنَّ هذا الضَريرَ أصبحَ ذا مكانةٍ رفيعةٍ في بلاده.

وفهمتُ أنَّ مُحدِّثي يقصدُ الطالبَ طَه حسين. تمالكَني شعورُ اعتزاز وكبرياء وتأثُّر:

-هذا الضَّرير هو اليومَ عميدُ الأدب العربيّ. تقلَّدَ مناصبَ وزاريَّةً عليا. وهو أديبٌ كبيرٌ تُرجمَت كتبُه العديدةُ إلى لغات العالم، ولو لم يكُنْ عربيًّا لحصلَ من زمانٍ على جائزة نوبل للآداب. وهو واحدٌ من أهرام مِصرَ الجديدة الثَّلاثة مع أمّ كلثوم وجمال عبد النَّاصر.

-وهل توفي؟

-لا، بل تجاوزَ الثَّمانين وما زالَ يكتبُ ويحاضرُ ويقرأ.

وبعد لحظات بادرتُه:

-هل أستطيعُ أن أمضيَ ليلتي في الغرفة نفسها التي كانَ يسكنُها المِصريُّ الضَّرير؟

أمسكني الشَّيخ برفق، دفعني أمامَه في الرّواق، ثمَّ فتح بابًا خشبيًّا متواضعًا:

-كانَ ينامُ هنا، ولكنَّ هذا السَّريرَ جديدٌ وضعناه منذ سنواتٍ عندما جدَّدْنا الفندق.

أقمتُ في الفندقِ يومًا وليلةً وحلمتُ بالطَّالبِ الضَّرير وحادثْتُه قسمًا كبيرًا من اللَّيل، وانتابَتْني قشعريرةٌ لذيذةٌ حتَّى الصَّباح، حين هَرولْتُ إلى محطَّة القطار، عائِدًا إلى مكان دراستي.

غرفة طه حسين فوق لافتة الفندق
 
 

اللوحة التي لم تتعلَّق

مرَّتِ أسابيعُ وشهور، وفقدت مصر الهَرَم الأوَّل (1970) والثاني (1973) والثالِث (1975)، وأنهيتُ أطروحتي وعُدتُ إلى لبنان.

وحين عدت بعد سنواتٍ إلى باريس (1974) زرتُ "فندق التَّقدُّم" لأقابل صاحبه العجوز، فإذا الفندقُ جُدِّدَ ثانيةً وانقلبت نجمتُه إلى نجمتَين، وتغيَّر أثاثُه وتبدَّلت إدارتُه.

سألتُ المدير الجديد عن العجوز فقال لي إنه مات.

استأذنْتُه بتفقُّدِ غرفة الضَّرير مرَّةً ثانية، فأذِنَ لي، وقصَصْتُ عليه ما حصل معي قبل سنوات.

عرضتُ عليه أن تُقامَ لوحةٌ على باب الفندق تُشيرُ إلى إقامة صاحب "الأيَّام" في هذا المكان المُتواضع. رحَّبَ بالفكرة ووعدَني أن يطالبَ عُمدةَ باريس بإقامة احتفالٍ يليقُ بطهَ حسين، بخاصَّةٍ وقد ذكرتُ له أنَّ زوجتَه لا تزالُ حيةً، وهي فرنسيَّة من مقاطعة "الألزاس"، وكانت رفيقةَ دَربه سنين طويلة، ولولاها لم يصبحْ أديبًا ومُربٍّيًا وناقدًا ومفكِّرًا، وهو الذي قال فيها: "جاءَت سوزان فصرتُ أُبصر بعينَيها".

وأيُّ شِعرٍ أبلغُ من هذا النَّثر؟

   بقيتُ سنواتٍ أمرُّ أمامَ "فندق التَّقدُّم"، ولم أر يومًا على مدخله اللَّوحةَ التّذكاريَّة.

عنوان الفندق على جبين مدخله

 

*  عبدالله نعمان كاتب لبناني يعيش في فرنسا. صدر له حتى الآن نحو 30 كتابًا بالفرنسية (في باريس) وبالعربية (في بيروت).

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم