إعلان

"جزيرة المطفّفين".... رواية حبيب سروري بين الواقع والتّخييل الاستباقيّ

المصدر: أماني فارس أبو مرّة- النهار العربي
حبيب سروري
حبيب سروري
A+ A-

 

"جزيرة المطفِّفين" رواية غنيّة كثيفة على الرغم من صغر حجمها، ثائرة مثيرة تحمل لغة علميّة نقدية، وتجربة أدبية مختلفة، جديدة وفريدة، للرّوائي والبروفسور في علوم الكمبيوتر حبيب عبد الرّب سروري الذي عوّدنا في رواياته على دمج قضية العلم والتخييل العلمي في اللغة والأدب وفي القضايا الفكرية اليومية. هو المنشطر وجدانيًا بين عالمنا العربي والغرب، بين العلم والأدب، يقوم بتوظيف اللغة العلمية في سياقات أدبيّة، كما يقوم بتطويع علوم البرمجة والذكاء الاصطناعي في الكتابة الروائية واستثمارها كتقنيات سرديّة تجريبية.

الرّاوي في "جزيرة المطفِّفين" صحافي يمني ثلاثيني، و"وكيل سرّي" لا اسم له ولا عنوان (رجل ظل)، في طريقه إلى لندن، لمهمة عمل صحافي استطلاعي سريعة (قبيل أعياد كريسماس 2020). اضطر، بسبب إغلاق حدود مدينة كاليه (التي تقع في أقصى شمال فرنسا) على حين غرة ولأجل غير مسمى، إثر متغيّر إنكليزي لفيروس الكوفيد، أن ينتظر عودة المواصلات ليكمل رحلته وإتمام مهمته.

أثناء سيره في أنحاء هذه المدينة، دغدغ مسمعه صوت نغم يمنيّ قديم. وعند اقترابه، وجد نفسه أمام خيمتين يختبئ فيهما شابّان لاجئان غير شرعيين يختفيان عن أنظار العالم (طفران اليمني، وحجي الإريتري)، ليسرد لنا الرّاوي رحلتهما المأساوية ومعاناتهما وصور الموت والعذابات الكثيرة، وليضعنا أيضًا من الصفحات الأولى في الرّواية أمام مقارنة بين شعوب الشمال الغنية وشعوب الجنوب الفقيرة المنكوبة، ثمّ ليعود بعدها إلى لحظة وصوله إلى المدينة ولقائه "الافتراضي" بسينديا الثلاثينية، الهندية الإنكليزية القادمة من زمن مستقبلي لمهمة استقصائية تتعلّق بأصول أحد الفيروسات التي تقلق أكثر من أي فيروس آخر.

خلال لقائه بها، حدّثته عن الانهيار الاقتصادي الدولي وكآبة البشر والأمراض النفسية والذهنية، في المستقبل القريب، عن الكوفيد وتنوعات فيروساته وطفراته...

تحدِّثه أيضًا عن "القيادة العامة" التي توجّه العالم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وعن برنامجها في القضاء على الجوائح المتوالية التي أهلكت العالَم، وعن توحيدها العالَم في إطار "مدينة" واحدة أطلقت عليها (أطلس) وهي مدينة شيّدها سروري بمخيلته الفذّة وهندسها بحرفيّة. كما أطلق الكاتب على الجزيرة التي تقبع فيها القيادة العامة (جزيرة المطففين) "البقّالين الغشّاشين، حيث يجتمع ويتقيّح معًا كلّ معتلِّ وذي ريحة كريهة، وشهوانيٍّ جشعٍ وكئيب ومترهِّل وذي قرحة ومتآمر".

 
 

جائحة جديدة

يسرد الرّواي ماضي الغاب وحاضره وصراعاته، ويحدثنا عن جائحة جديدة مختلفة تتعلّق بإدمان الإنسان على التكنولوجيا، وهي جائحة تصيب مقل أعين البشر (رقص العناكب الطائرة)، جرّاء داء الشاشات. وعن الشعوب المسحوقة التي تقسم إلى الشعوب المدللة (المسحوقة) والشعوب الأكثر انسحاقًا.

تدخل فجأة في الرواية شخصية محورية: لِلاجئين طفران وحجي علاقة ما بناسك في "صومعة إخوان العلمانية"، قرب مدينة تولوز بجنوب فرنسا. (تضم هذه الصومعة مؤخرًا بشرًا بعقائد دينية ولا دينية). فريد شخصية فريدة ومميزة، يحمل اسمه (فريد) بجدارة، من أم ألمانية ميلا متخصصة في الفيلولوجيا، وأب يمني سعدان درس الهندسة الكيماوية في ألمانيا، وهو أهم شخصيّة في الرواية، مسيرة حياته مذهلة له جمال وذكاء استثنائيان.

 عند معرفة الصحافي بالعلاقة التي تربط اللاجئين بفريد، يرغب بأن يصل إلى الصومعة وكشف السر الذي جعل فريد يترك عمله البنكي من أجل الحياة كناسك ودخول الصومعة، لكن ذلك ليس بالسّهل لأنه لا يمكن دخول الصومعة إلّا لزيارات رسميّة نادرة، وفريد لم يعد فيها.

تبدأ بعدها مهمة الصحافي من قبل القوى المجهولة (صاد) التي تطلب منه رفع تقارير استخبارتية عن يوميات فريد وصديقته سينديا (الثنائي البديع)، وحراسة كراسه الذي يحمله ويدوّن فيه ملاحظاته ساعدته على الوصول إلى هوسه في مراقبة فريد من خلال وسائل تجسسية حديثة تتمثّل بتطبيق اسمه (أوميجا) وهو تطبيق حديث في منتهى الخطورة.

ومن خلال هذه المهمة التي بدت له شهيّة منذ بدايتها، يصل الكاتب إلى بقاع متنوعة في عالمنا المعاصر، تتمثل بأحياء الأثرياء والتكنولوجيا المتطورة، وأحياء الحروب الأهلية والفقر، ليصل في النهاية إلى أهم المناطق، حيث القيادة العامة ق.ع.، التي تمتلك القدرة على تسيير العالم ومعرفة أسراره وتوجهه نحو مستقبل غامض. لتنتهي هذه المهمة فور وصول فريد ورفيقته، العبقرية في التقصّي الصحافي، إلى القيادة العامة واكتشاف أخطر الأسرار عن آليات عملها ومشاريعها القادمة.

طوال الرواية، يطرح الرّاوي سلسلة من أسئلة وجودية تحرّض في المتلقي إشارة الاستفهام العظمى وتدفعه إلى التساؤل والشك، كما تدفعه هذه الرواية الكاشفة إلى إعادة النظر في رؤيته إلى العالم، بعدما أحدثت هزّة في عقله وفجرّت فيه الكثير من التساؤلات، لتكون نقطة تحوّل في إدراكه لهذا العالم وما يدور في آفاقه من مخاطر وأسرار.

مأساة اللجوء

"جزيرة المطففين" رواية تحمل همومًا كبرى وقضايا عالمية، مسكونة بتراجيديات ومأساة اللجوء والهروب والمعاناة، تلامس الواقع العالمي المتمثّل أولًا بغاب كاليه بفرنسا ومعاناة اللاجئين فيه، ومحاولاتهم الوصول إلى بريطانيا التي سدّت الطريق أمامهم، وأصبحت مستحيلة الاختراق بعدما كانت لا تعرف الشمس لها حدودًا. يكتسح نصّها التخييل الرّوائي بجانب شذرات من تقنيات روائية: التخييل العلمي والرواية البوليسية، تحدّثنا عن عالم متشظ، عالم الحروب واللاجئين والهاربين من الموت والظلم، عالم الفيروسات وأزمة الوباء والتصفيد الصحيّ والجوائح، ووجود مشاريع حقيقية لإنتاج أسلحة حربية من طراز جديد (عالم الروبوتات القاتلة غير المرئية)، عالم التجسس الكليّ والرقابة الإلكترونية الآلية على كل إنسان في هذا الكوكب.

للرواية هوس واضح: ملامسة الواقع بكل تعقيده، وتفكيك واستشراف الاتجاهات المستقبلية لعالم اليوم المضطرب المريض، والذي سوف يزداد اضطرابًا في السنوات والعقود القادمة، ليس فقط بسبب جائحة الكوفيد وما سيليها من طفرات، ولكن أيضًا، بسبب الحروب الأهلية المحلية والأنظمة الديكتاتورية الفاسدة وما تسببه بجانب الكوارث البيئية والجوائح، من هروب ولجوء لا شرعي جماعي، ازداد على نحو خاص العام الماضي.

وبسبب الاستلاب الذي يعيشه الإنسان المعاصر في عالم بلا بوصلة تهيمن عليه الآلة والتكنولوجيا، وأيضًا بسبب جوائح العالم الرقمي وشاشاته، وإدمان الإنسان عليها على نحو مَرَضي.

كما تجاوز سروري في هذه الرّواية دوامة الرّواية العربيّة في الدوران الخذروفي حول الذات العربيّة، بعيدًا من إشكاليّات وأزمات العصر البيئية والعلمية والجيوسياسية، وكثّف من ناحية أخرى الواقع العربي في إطار حركة العالم واتجاهات الحاضر والمستقبل والإطار العالمي.

ومن خلال الزمن المطاطي للراوية، حيث معظم حوادثها تدور في الحاضر، مع قفزات استباقية الى المستقبل القريب، يقدّم لنا الكاتب استشرافًا لهذا المستقبل الذي يُدار على يد الحواسيب والآلات، ويسلّط الضوء على المستقبل التكنولوجي والمستقبل البيولوجي المتمثّل بإحداث تغيرات في جسم الإنسان نتيجة العقاقير والهندسة البيولوجية.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم