إعلان

"حجر الصبر" رواية الحياة الأفغانية المخنوقة

المصدر: بغداد- النهار العربي
كه يلان محمد
امرأة تركض في شوارع افغانستان
امرأة تركض في شوارع افغانستان
A+ A-

يعتبر بول ريكورُ أنَّ الحياة ما هي إلا بحث عن سردٍ بوصفه صيغةً للتغلب على تجربة الرعب والفوضى، ما يشير إلى دور السرد في الصراع مع التجارب المخيفة والمؤلمة. وهذا ما ينطبقُ على رواية "حجر الصبر" للأفغاني عتيق رحيمي، التي حصدت غونكور، أعرق الجوائز الأدبية في فرنسا في العام 2008، قبل أن تستعيد ألقها اليوم على إثر تطوّر الأوضاع الأخيرة في أفغانستان.

في هذه الرواية الصغيرة نسبيًا، يغدو البوح والاسترسال في الكلام دافعاً لمرافقة المرأة لجثة زوجها المقاتل الذي لا يصرفُ بصره عن الفراغ.

فالراوي يستبطنُ سرائر  الزوجة كاشفاً عن الذكريات المتداعية في ذهنها تارة ويغيبُ تارةً أخرى تاركاً لها زمام السرد، وبذلك يتمُ كسر رتابة الترقب والإنتظار خصوصاً بعدما تستمر الغيبوبة أكثر مما هو متوقعُ، بحيث كان مأمولاً استعادة الرجلُ وعيه في غضون أسبوعين.

لكنّ الوقتَ يمضي والمشهدُ لا يتغيرُ، فالمقاتلُ راقدٌ لايتفاعلُ مع محيطه والزوجةُ تقومُ بتنظيمِ الكيس الذي يحقنَ الرجل بالماء المحلى والمملح عبر الأنبوب.

 
الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي
 
 
مساحة مكانية

 

المرأة تتقيدُ إذاً بالمساحة المكانية التي تحتضنُ الجثة. يتكفلُ الراوي بوصف الغرفة ومكوناتها مع انطلاقة الرواية، إذ يتابعُ كاشفاً مناخ المكان ويتطلبُ الموقف التفصيل في الوصف لأنَّ ما يتمُ رصده في فضاء الغرفة لاينفصلُ عن الأحداث التي ترويها المرأة لاحقاً ومن ضمنه ستارتان مزينتان بتصاوير طيور مهاجرة لاتغادرُ شكلها المتجمد كأنَّ في ذلك معادلاً موضوعياً لمعاناة المرأة التي أصبحَ مصيرها مشدوداً إلى جثة هامدة.

 
غلاف الرواية 

 

 نواة القصة

وقد تجدُ مشتركاً بين الإشارة إلى الطيور في افتتاحية النص وما تعلنُ عنه المرأةُ لاحقاً  عن علاقة والدها بطائر السمان. هذا ناهيك عن الطاقة البصرية المتولدة من توظيف الصورة في البرنامج السردي.

ويفهمُ الغرضُ من اهتمام الراوي بالصورة لا سيما صورة شمسية لرجل وهو يناهزُ الثلاثين من عمره حين تستعيدُ المرأةُ حيثيات زواجها برجل كان حاضراً بصورته فقط.

وذاع صيته كونه بطلاً لذا لا يهمُ حتى ولو غابَ فعلياً عندما يعقدُ عليه قران خطيبته.وبذلك تكمنُ النواة الأساسية لقصة الإطار في مفتتح الرواية ومن ثمَّ يتمددُ حزام السرد متضمناً سلسلة من القصص الفرعية متفاوتة التأثير في الإبانة عن مضمرات الخطاب الروائي منها ماتسردهُ المرأةُ عن مقايضة أبيها بالأخت الكبيرة تعويضاً لخسارته في الرهان على طائر السمان، ومايستتبعُ ذلك من تراكم الخوف لدى الشاهدة على تلك الصفقة.

كذلك يستضيفُ سياق النص قصة العمة وهي تلقي بشحناتها الدلالية على فضاء الرواية، إذ تنسحبُ الغلالة عن وظيفتها بالتدرج و كما يقول الناقد العراقي حسن سرحان إنَّ الشخصية في العمل السردي صاحبة الأولية في توليد الدلالة والأسبقية في إنتاج الأثر وتزايد المرونة في التأويل.

الأمر الذي تراهُ في مواصفات العمة التي تؤوي إبنة أخيها بعدما يتركها الجميع وحيدة مع الجثة غير أنَّ ذلك ليس إلا  جانباً من تكوينها الشخصي وتتضحُ أبعاد جديدة في تركيبتها مع استمرار حركة  السرد،فكانت متزوجة من رجل غني ويمضى عامان دون أن تنجبْ له ولد ولايكونُ مصيرها إلا الإقصاء إلى الريف حيثُ تعيشُ مع أهل زوجها وهناك يفترسُ بها حماها متصرفاً بجسدها كما يحلوُ له 

 يذكر أن لعبة تطويع الجسد تتمظهرُ في شكل العلاقة القائمة بين الشخصيات عليه لاتتحملُ العمةُ الإمتثال للدور المبتذل وتتمردُ على البيئة المُغلقة وتقتلُ والد زوجها وتختفي على إثر ذلك الحدث وتحسبُ من بين أعداد الموتي وهذا يعني التخفف من لطخة العار برأي الأسرة غير أنَّ اللحظة الفارقة في هذا الإطار تتمثلُ بمصادفة رؤية خطيبة المقاتل لعمتها في السوق  إذ ما إن يتناهي إليها صوتها حتى تلتفتُ ويقع نظرها عليها طبعاً لايكونُ الغرضُ من ظهور العمة إضافة عددية لشبكة الشخصيات المتحركة في حلبة السرد بل تدفعُ بعقدة إبنة أخيها نحو الحل ويرفعُ الستارُ عن مناورتها مع توالي الأحداث المُستعادة على لوحة الذاكرة.

مشهد من الفيلم المقتبس عن رواية "حجر الصبر"
 

 

مرونة النص

استضافة القصص وتسريب الأمثال الشعبية والمقاطع من الأغاني المعبرة عن خصوصية الروحية الأفغانية من مواصفات مكونة لهوية أعمال عتيق رحيمي، وهذا ما نراه على وجه الخصوص في "حجر الصبر".

وبموازاة ما ترويه المرأة عن حياتها ومعاناتها مع الأعراف السائدة في المجتمع البطريركي، يتسعُ النطاق السردي لقصة منقولة من الجدة تدور حول عقدة أحد ملوك لايشغلهُ سوى هم واحد وهو ألا تكون له ابنة أبداً.

ولكن أخبره المنجمون في ليلة عرسها بأنَّ إمرأته تنجبُ له بنتاً تلوث شرف العائلة ومن هنا كلما ولدت بنت أمر الملك بقتلها يطيعُ الجلادُ الأمرَ ويبدأُ بقتل البنت الأولى والثانية غير أنَّ الثالثة تنطقُ قائلة إذا ماتركت ستكون لها مملكة خاصة والحال هذه تهربُ الملكة مع الوليدة والجلاد.

تمرّ السنوات يواجه الملك في غزواته مملكة وقفت بوجه طموحاته ولاينفعُ معها الحصارُ وتبادرُ إبنة الملكة بالذهاب للتفاوض مع الملك الغازي ويقعُ الأخير في حب الأميرة وما أن تعرفَ الأمُ بذلك حتى تنهار صارخة "قدر ملعون".

ولايصعبُ على المتلقي ما يجمعُ بين هذه المروية الشعبية وأسطورة أوديب إذ أن زنا المحارم يُطلق الشرَ من قمقمه ويضعُ المتورطين أمام خيارات تراجيدية.

عدا ذلك فانَّ القصة- إضافة إلى إرسالياتها الكاشفة عن واقع المرأة في المجتمعات المقهورة، تُحيل إلى ذكاء المرأة ومناوراتها لوقف العنف سواء من خلال آلية السرد كما فعلت شهرزاد أو بالالتفاف على النسق الإجتماعي مثلما عبرَ عن ذلك تصرفَُ العمة مع إحتمال تكرار سيناريو حياتها البائسة نتيجة عدم الإنجاب مع زوجة المقاتل العقيم، وماتنقلهُ المرأةُ من حميها عن الحجر الأسود  الذي كان مقعداً لآدم في الجنة لكن عندما ينزلُ على الأرض مع زوجين يتخذُ وظيفة أخرى إذ يحجُ الناس من كل حدب وصوب لبَثِّ همهوهم إلى ذلك الحجر، ويكون تفتهُ علامةً لنهاية العالم.

ربما يبدو خارج خطاب النص ومقاصده،لكنّ الجثةَ تحلّ مكان الحجر الأسود بالنسبة الى المرأة التي تبوحُ لها بالأسرار المتراكمة على مدار عشر سنوات أمضتها على كنف أسرة زوجها.إذن تتقاطع الجثة مع الحجر في التخفف من القصص المؤرقة.

أكثر من ذلك فإنَّ المرأة تتمكنُ من تصرف بجسد زوجها وهو طريح الفراش وهذا يعدُ تعويضاً لحرمانها من طلاقة التعبير عن رغبات حميمة وذلك مايتحققُ لها أيضاً حينَ تروضُ الرجل الذي  رشحته لها العمة ليزاوجها معصوب العينين في الظلام وتجدُ المرأة لذتها القصوى في السيطرة على الرجل، وهذه المناورة وفرت عنها وزر عدم الانجاب وبذلك يتبينُ أنَّ   النسق الاجتماعي السائد  كان يحملُ المرأة باستمرار  مسؤولية غياب النسل.لايبرحُ هذا الحدثُ حياة المرأة يراودها على شكل حلمٍ كابوسي وكان مصدر خوفها أن تنجب  ولداً يفضحها وما أن تضعها فتاة حتى يهدأُ توترها لأنَّ من كان يطاردها في الحلم ليس سوى طفلٍ مهدداً إياها برفع الغطاء عن السر.

يُذكر أنَّ بلاغة الجسد ركن من خطاب الرواية وذلك ما يفيدُ به المقتبس الذي يكون بمثابة العتبة الثانية إذن فالوضعية التي يتخذها الجسد تؤشرُ إلى القيمة الثقافية، فالجسد الذي لايعرف ممارسة الحب يطوعُ للحرب، الأمر الذي يفصحُ عنه كلام المرأة عن تواصلها مع المقاتل قبل أن يخلد إلى الرقود، ويكشفُ جسد الصبي المشوه  الذي يتعثرُ  في التعبير الحميمي  عن ظاهرة الازدواجية التي ترافق الغلو والتطرف.

 
  

موتيف الرواية 

المتأملُ فيما يقدمهُ عتيق رحيمي في متنه الروائي  يلاحظُ انشغاله بثيمات المحددة منها المنفي والهوية وتهميش المرأة والحرب فالبتالي لاينفصلُ مشروعه الإبداعي عن مؤثرات البيئة الأولى وروحها الحضارية.

وما يُكسب "حجر الصبر" الخصوصية في الصياغة هو المكون الزمني إذ يتمُ تحديد البعدُ الزمني من خلال صوت الآذان والمسبحة التي تتحركُ حباتها بين أصابع المرأة.

هذا إضافة إلى تنظيم الكيس الذي يحقنُ الرجل عبر الأنبوب بالماء المحلى والمملح والفاصل بين أنفاس الراقد الثقيلة  وعبور الصبي في الشارع وهو يصفر لحن أغنية، مُغازلاً  إحدى بنت الحارة كل ذلك يكونُ بمثابة لازمة في طبخة الرواية، ويستمدّ النص تماسكه من التفاعل بين قصة الإطار والمقتبسات المبثوثة في أجوائها، وهذا ما يتمثلُ في المشهد الختامي، إذ تدبّ الروح من جديد في الجثة الهامدة غير أنَّ سردية المرأة لم تفلحْ في برمجة الرجل وترويض العنف ويضمرُ هذا الموقف بعداً تنبوئياً بالمصير الذي ينتظرُ المرأة مع عودة الطالبان إلى منصة السلطة.وتنتهي الرواية ببنية مدورة فالخنجر الرابض الذي قد أشار إليه الراوي في الافتتاحية تستخدمهُ المرأةُ في صراعها مع الجثة المنبعثة من الغيبوبة بفعل مروياتها. الأمر الذي يضفي فنيات عالية إلى تصميم العمل الروائي.

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم