إعلان

باريس... اكتشاف أميركي في أدب "الجيل الضائع" (1من 2)

المصدر: باريس- النهار العربي
أحمد المديني
غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
A+ A-

  

 

إذا كنتَ باريسيًا، أو أقمتَ في باريس سنين عددًا، فإنّك إذ تمشي في شوارعها، ويطرق كعبك أرصفتها وإسفلت أزقتها، السهل والتل، وتتنقل بين دوائرها العشرين أحياء وساحات أو منتزهات، فأنت تمرّ عبر أروقة تاريخ عريق، ومدعوّ أن تفتح العين وخزائن الذاكرة لترى وتحسَّ وتفهم، وتعيد خصوصاً اكتشاف المدن ووجه المدنية، وهذه مدينة تكتشف في كل حين.

تأسست وتطورت عبر قرون بعمرانها ومعالمها اللاّتحصى من كل اجتماع بشري ومعمار وثقافة وفنون، وما انفكّت تتجدد وتضمّ الحديثَ إلى القديم، جامعةً العريق إلى العصري في توليفة فريدة توجد هنا فقط ووحدها تملك سرّها، هكذا غدت عاصمة للعالم معشوقة الزوار.

 

بيد أن نموَّها وتجدّدَها آتٍ قسط ٌكبيرٌ منه من وجود وقدوم الوافدين إليها من أعراق وجنسيات مختلفة، هي قبل أميركا المسماة (العالم الحرّ) استقبلت وعجنت ثقافات وتميزت مضمارًا خصبا للكوسموبوليتية وعطاءاتها الخلاقة، ميزتُها التعددُ والتنوعُ والطرافةُ في كل شيء، وأحد مداخلها بوابة الاكتشاف، لا جدال أنّ الأدباء، روائيين وشعراء، رواده وعيونه ومسباره. هؤلاء يعيدون خلق المدن ويعددون المكان، ولهم رؤية خصوصية للمجتمع والإنسان، غير الثابتة والنمطية، ثم يجتزؤون لهم حيّزا منه فينتجون ثقافة يصبح خاصُّها جزءاً من العام.

 

 

 

لقاء الثقافات

 يُعدّ توافدُ الكتاب الأميركيين في عشرينات القرن الماضي وما تلاها إلى باريس، باستقرارهم فيها وعيشهم في أجوائها وانخراطهم، كلّ بحسب ميوله وإمكاناته في عوالمها، اجتماعية وإنسانية وثقافية، من بين أهم التجارب والمعايشات الأجنبية التي عرفتها عاصمة الأنوار سلطت مزيد ضوءٍ عليها بكشوفات فريدة وغذت المعرفة بها ظاهراً وباطناً، ليس كالأدب قدرة على هذا.

معلوم ومُدوّن في مؤلفات وتحقيقات وأفلام عظيمة أشهرها فيلم وودي ألان" منتصف الليل في باريس"، وحديثا صدر كتاب أجده الأفضل والأشمل في موضوعه ومعلوماته ونظرته:" باريس الكتاب الأميركيين" لرالف شور (منشورات بيران)، في ضوئه نكتب في حلقتين.

آلافٌ، هم الأميركيون الذين عبروا الأطلسي إلى القارة العجوز، وفرنسا بالذات، خصوصًا بعد التحاق الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى لنصرتها، ما يعني رالف شور الكُتاب منهم، وأولئك الذين أُطلق عليهم نعت وتصنيف" الجيل الضائع -la Génération Perdue The Lost Generation" قصدوا باريس لاكتشاف عالم آخر بديل عن مجتمع وحياة وثقافة يخضعون فيها لأشكال من القسر والمنع والإكراهات الأخلاقية تكبّل مواهبهم وتضيق عيشهم. ويمكن إجمال مؤاخذاتهم على بلدهم الأم في أنه: فتيٌّ جدًا ومفتقرٌ لثقافة عريقة" الولايات المتحدة عالم عادي وقبيح" (هنري ميلر)؛ هيمنة القيم المادية/ الدولار، الآلة، التنميط، حداثة بلا روح، يقول سكوت فتزجرالد: "للمال السلطة، هو صانع هذا البلد" إلى حد أن سنكلر لويس ذهب إلى القول:" أن تكون فنانا فقيرا [في أميركا] يُعدّ خطيئة أخلاقية لا تغتفر، لا سوء حظ كما في فرنسا"؛ تشدّد التقاليد والنزعة الطهرانية، زيادة على منع الكحول وسلطة الرقابة.

فتحت الحرب الباب وشجعت انخراط عديد منهم فيها، ألان سيغر رائدهم وصل سنة 1912، وشبابًا التحقوا بوحدات الإسعاف، منهم: جرترود ستاين سائقة، إرنست همنغوي، هاري كروسبي، لوي برومفيلد وجون دوس باسوس، والقائمة طويلة.

جاء هذا الجيل الضائع، حسب تسمية ج ستاين، يبلغ تعداده المائتين، ليكتشفوا باريس كأنما كريستوف كولمبوس يحط للمرة الأولى عندهم، إما بمنهجية وتبعا لتصاميم، أو حسب تنقلات مرتجلة، لا عجب حفلت أعمالهم بأسماء الشوارع وبكل الأماكن، مثالها الساطع "الشمس تشرق أيضًا" لهمنغوي. ونظراتهم مترعة بالإعجاب يغدق هنري ميلر آياتها: "أن تعيش في باريس خير من أن تكون مليونيرًا في نيويورك" و"باريس سرّة العالم" وسماها لويس سانكلير "كزانوفا المدن"، وعاد ألفريد بير مع ميلر يتوجانها "مركز العالم".

همنغواي وسكوت وزيلدا فيتزجيرالد وغيرهم في باريس

 

 

جاذبية المدينة

وقد كانت العراقة التاريخية جاذبيتهم الأولى بنظرهم إلى الثقافة الفرنسية متكونةً عبر أحقاب ومتواصلة ومتجانسة، ما تقرّ به أنايس نان: "فرنسا تليدة، لها عطر ونكهة وشميم ودمغة الأشياء العتيقة".  ميادينها ومتاحفها ومعالمها الكبرى مميزة في تصويرهم: ساحة لاكونكورد، كنيسة نوتر دام، ساكري كور مزن مارتر، بركة التويلري، نزهات اللوكسمبورغ، وفرة النبات وغابات بولونيا الحزام، وسواها من آثار وعلامات شدهوا بها مبكرا كما يزال سائر الخلق إلى اليوم.

الحق، أنهم لم يكونوا حبيسي الدهشة الأولى والنظرة السياحية، في التجوال والتأثر والكتابة عبر هذا الاكتشاف، فهم إذ يقارنون ويتملّون يبحثون عن أنفسهم في آن. هكذا نجد سانكلر لويس يعدد ستة أنواع أو نماذج من مدينة الجن والملائكة بوصف طه حسين: 1ـ باريس السياح ـ 2 ـ باريس الطلبة ـ 3 ـ باريس أشباه الفنانين ـ4 ـ باريس الأدباء والسكارى والمتفيهقين ـ 5 باريس الفنانين الحقيقيين، وهي الخفية والنشيطة الصامتةـ 6 ـ وباريس الكوسمبوليتية المتمدنة.

بني هذا التمييز الفطن والدقيق في الأصل على قسمة المدينة إلى ضفتين: اليمنى، حيث الأحياء الموسرة؛ واليسرى الشعبية والمتنوعة والكوسمبوليتية، حيث مرابع الجامعة والفن. وقد توزع الجيل الضائع بين الضفتين، حسب مواردهم، قلة في اليمنى مثل إيديث وارثون الثرية، ومثلها أنايس نان، وألتون الناشر، وأغلبهم في اليسرى.

أمكنهم في هذه الأخيرة على الخصوص أن يجدوا بغيتهم من ناحية التعرف على نمط عيش مختلف، ويتاح لهم اكتشاف شعب وثقافة تنقذهم من الضحالة الثقافية كما انتقدوها في ديارهم، لتجد همنغوي في هذيان:"لا أعرف بلدًا جذّابا مثل فرنسا"، وهنري ميلر ينشرح لحسن الاستقبال، وانعدام أي تمييز في العرق والعقيدة واللون؛ وشعب يُقبل على متع الحياة البسيطة ويأخذ الوقت الكافي للعيش. وعند جرترود ستاين أن سبب قدوم هذا الجيل إلى فرنسا لا يُعزى إلى المناهج العلمية أو الآلات، ولكن إلى كون "الحياة تقاليد وطبيعة بشرية".

من هنا أقبلوا على المطاعم والمقاهي والحانات يتلذذون بالطيبات ما وسعهم، ويتفننون في وصفها، ويقومون بغزوات في أحيائها وأماكنها الخلفية للتعرف عن كثب على الشعب العادي وما سموه" البشرية في وضعها الخام".

ومن هنا كانت لهم أحياء مفضلة مثل la rue Mouffetard ، معهم اشتهرت مقاهي مثل (le Select) و(Le Dome) و(les closeries des Lilas) التي كانت من مجالس همنغوي، وتوارث ذلك أدباء العاصمة حتى وقت قريب.      

وكما كانوا متفاوتي الدخل المادي ومتبايني المواهب، كانوا ذوي خيارات فردية متباينة، أيضا، لكلٍّ طريقُه، لذلك من غير المناسب ضمُّهم في تيار أو مدرسة أدبية واحدة شأن التقليد القائم في فرنسا، بل نراهم أفراداً تنوعت مصادرُهم وتأثرُهم بين مونتاني وروائيي القرن التاسع عشر وبروست وسلين والسورياليين، كذلك تغلغلوا في الوسط الأدبي والفني ونفذوا إلى قاعات التحرير والصالونات وسبحوا في بحر المعيش الباريسي علاقات مدينية في حانات ومطاعم سان جرمان ومونبرناس، يستمدون منه نسغ تجديد لمواهبهم وفي العمق كانوا يبحثون عن ذواتهم، ما يفسر الطابع السير الذاتي لأعمالهم مستمدة من تجاربهم وملاحظاتهم العيانية. هذا ما جعل رالف شور يستخلص أنهم، ونظرا لأنهم لم يغادروا الولايات المتحدة هربا بجلدهم شأن الروس البيض والأرمن والألمان والإسبان خوفا على حياتهم، "هربوا من الضحالة الثقافية التي شعروا بها في بلادهم لذلك فإن بحثهم كان سيكولوجيا وجمالياً".

في مقهى "لودوم"

 

اكتشاف خلاّق

وإذا كان لهذه العلاقة مظاهرها الإيجابية ويغلب فيها الإعجاب ووازع الاكتشاف الخلاّق، فإنها لم تخل من موقف من البلد المضيف. ففي مقابل حفاوة إزرا باوند بالرهافة الفرنسية وفن المحادثة، واستمتاع ه. ميلر بفن وطقوس المائدة، شنت زيلدا فتزجرالد، وهي من طبع زوجها الشرس سكوت، هجوما على مضيفيها، بمثالب التقتير، والتحفظ، والبرود، والبخل والأنانية. كما أن روايات كتاب الجيل الضائع لم تكن مثالية في نظرتها وتصويرها للحرب، بل قاسية ومأساوية، على غرار ما جاء في" وداعاً للسلاح"(1929) لهمنغوي من قسوة المعارك وفظاظة الرجال في الجبهة الإيطالية؛ وعند دوس باسوس في" ثلاثة جنود"(1921) تسفيه لأسطورة الملحمة الحربية بوصف وتعداد صغائر المطامح والتفاهة والضراوة الساحقة.

نخلص إلى أن كتابات هذا الجيل الأميركي الفريد الذي ترك بلاده بحثاً عن العراقة والتفتح، ويعد جزءاً من اللوحة الثقافية الفنية الكبرى لفرنسا العشرينات والأربعينات الكوسموبوليتية، "قدمت شهادات حية عن أوضاعهم ومصيرهم وانطباعاتهم وتجاربهم وتطور هوياتهم".

وهم بالمقابل، رسموا صورة لباريس وسكانها ومجتمعها وتمثيلاتها الأدبية والفنية، وهو بُعدٌ مهم جداً لكل مؤرخ باعتبار أعمالهم تعرف بمرحلة كاملة.

هل من شك بعد هذا أن إقامتهم تمثل مرحلة حاسمة في صياغة أسلوبهم وطرائق إبداعهم وتكوين هويتهم. هذه الوجوه هي ما سنعرضه في القسم الثاني من هذا المقال في ضوء كتاب رالف شور "Le Paris des écrivains américains"( باريس الكتاب الأميركيين).

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم