إعلان

رواية هناء عطية في مكان "رمادي"... بين واقعٍ ومُتخيل

المصدر: القاهرة- النهار العربي
يسري عبدالله
غلاف الرواية
غلاف الرواية
A+ A-

 

عبر منجز سردي يلعب على المساحات النفسية لشخوص مأزومين، يحيون على الحافة، ويحتفي بمساحات التقاطع بين الماضي والحاضر، وحضور متواتر للمرأة بوصفها مجلى لعالم ممزق، بدت كتابات الروائية المصرية هناء عطية تعبيرا جماليًا عن أنساق بنائية بارزة، يمكن تلمسها عبر نصوصها المختلفة، مثل: "شرفات قريبة"، و"هي وخادمتها"، و"عنف الظل"، و"تمارين الورد"، و"رمادي"، وغيرها.

جدل سردي

وفي روايتها "رمادي" (عن بيت الياسمين- القاهرة)، تستجلي الكاتبة حدثاً فارقاً في تاريخ الأمة المصرية، يتصل أساساً بثورة يناير 2011، وتنهض الرواية على خطين متجادلين للسرد، أحدهما يمثل الحكاية الأم، التي تعتمد على خلق مساحات التخييل داخل الرواية، حيث تلوح قدرية وندى وفريدة (الجدة والأم والابنة)، وأحمد العسال ومحمود ويوسف، وغيرهم. أما المسار الثاني فإنه ينحو صوب التوثيق، من خلال الحضور الواعد  للسرد التسجيلي الساعي للتماس الحي مع لحظة القص الراهنة.

ويتقاطع هذان المساران عبر أكثر من موقف سردي، وبأكثر من صيغة، وعبر ندى ذاتها، والتي تمثل الشخصية المركزية في الرواية، وواسطة العقد داخلها، والعابرة بين الممكن والمستحيل، والواصلة بين مسارات السرد، واللاعبة في تلك المسافة الحرة بين الواقع والمتخيل.

وتلعب الكاتبة على توسيع الهوامش الإنسانية للشخوص من جهة، مع جانب توثيقي يختص بالثورة وعذاباتها وأشواقها وأمانيها العصية من جهة ثانية، وفي هذا الجانب التوثيقي سنرى حضورا لأشخاص متعينين، ووقائع حقيقية.

 

النص والواقع

تبدو موضوعة الثورة من الموضوعات المركزية في بعض النصوص في السنوات الأخيرة، وإن بدا التعاطي معها أحيانا يتم من زوايا يوتوبية، انفعالية غالبًا، تتجاهل كونها حدثًا مركبًا بالأساس، ومسكونًا بالتوترات الإنسانية، والمناخات المرتبكة، وهذه الأجواء القلقة بدت بارزة في "رمادي"، ليس في مشاهد الانكسار الإنساني فحسب، ولكن في تأمل تلك القدرة على الحلم التي راودت المجموع.

ثمة وعي بحركة الشخوص في الواقع، واستجلاء جوانبهم المختلفة، ووجوههم المتعددة، من قبيل شخصية ماجدة رزق الله في نهايات الرواية.

يبدو المسار السردي الأول "خط القص الرئيسي"، والذي يبدأ من عنده السرد مسكونًا بجملة من الحكايات المدهشة، التي تبنيها الكاتبة ببراعة، وتنسجها على مهل، فتتقاطع خيوط السرد، وتكتمل الفراغات النصية، عبر التداخل الزمني الذي يعد جوهرا بنائيا تقوم عليه الرواية، فالزمن هنا أساس في بناء النص، حيث البدء بخط القص الرئيسي، ثم الانتقال إلى لحظات مستقبلية عبر تقنية الاستباق ثم العودة إلى الوراء، وهكذا: " تصحو لترتب ما حولها بآلية وشرود، ثم تجلس وحدها داخل غرفتها، وهي تشعر أن بعقلها فراغا هائلا. ربما ستحدق في شيء ما بالغرفة في محاولة للتذكر، وهي تشحن همتها بتلك الأشياء التي عليها أن تفعلها، وصدى الماء المنهمر الآتي من الحمام– يتردد في البيت مثل لحن مقبض".

الكاتبة هناء عطية
 
 
تكثيف واختزال

ليس ثمة زيادات لفظية هنا، ولا استطرادات مجانية، فاللغة مقطرة، تتكئ على التكثيف، وتعتمد الاختزال، ويبدو اهتمامها بالتفاصيل الصغيرة جزءا من بنيتها، وطموحها في التعبير الجمالي عن المشاعر الداخلية للمرأة من جهة، وصياغة الصورة الروائية من جهة ثانية.

تنسج هناء الحكايات من داخل العالم وخارجه، كما تبني شخوصها باقتدار فني، حتى الهامشيين منهم، من قبيل أسامة، شقيق محمود زوج ندى.

ينفتح المسار السردي الثاني في النص على المنحى التسجيلي، الذي يهتم بإيراد الوقائع الحية داخل النص، وهنا تقوم الوظيفة التحليلية للسرد جنبا إلى جنب ما أسماه "جينيت" بوظيفة الشهادة، حيث يخبر السرد بوقائع متعينة، ويروي أحداثا حقيقية.

تمثل الهوامش جزءًا من بنية النص، وتتمة للرؤية السردية داخله، وإن كان بعضها لم يضف شيئا، حيث بدا الهامش معلوما بالضرورة في بعض المواضع (من قبيل هامش ميدان التحرير).

ثمة تماس بين خارج النص وداخله، حيث يتماهى الإهداء (إلى مريم.. جوهرتي السرية)، مع الجملة السردية الدالة داخل الرواية (فريدة جوهرتي السرية).

 

صورة بصرية

ثمة وعي بصري حاد، دشنته تجربة حيوية شديدة الاتساع، تبدو على نحو بارز في الفصل الأخير من الرواية، ونصبح أمام بانوراما بصرية تعيد ترتيب الأشياء والمشاهد داخل السرد، وتوظف الروائية هنا آليات التقطيع المتوازي (المونتاج) توظيفا دالًّا، وقد أفادت في ذلك من خبرتها الجمالية بفن كتابة السيناريو، وتقدم تلك المشهدية البصرية الواعية بالانتقالات الدالة بين المشاهد.

وبعد... هنا في "رمادي" لسنا أمام زوايا نظر يقينية للعالم، والعالم ليس فسطاطين، كما يحلو للطوباويين أن يقسموه، فهو ليس أبيض دائما، ولا أسود دائما، وإنما ثمة ظلال متعددة دومًا، نسبية، وغير يقينية، تنفتح معها زوايا النظر إلى العالم، والكتابة، والحلم أيضًا.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم