إعلان

PCR ... ايجابي

المصدر: النهار العربي
عزّة طويل
أحد مرضى كورونا في المستشفى
أحد مرضى كورونا في المستشفى
A+ A-

رنّ هاتفي صباحاً. بي سي آر إيجابي. مصابٌ بالكورونا.

حسناً، أتذكرون كلّ ما قلته حول مغادرة لبنان ووداع بيروت؟ جزءٌ من هذا القرار بالرحيل مبنيٌّ على خوفٍ من احتمال أن يُصاب أحدنا فنعيا ونتعب ونضطرّ إلى طلب الخدمات أو الوساطات أو دفع طائلات الأموال في سبيل معالجتنا من وباءٍ عالميّ يدخل كلّياً تحت مسؤولية الدولة.

كلّما ارتفعت المسؤولية في دولةٍ مثل لبنان كلّما ازداد منسوب الخوف والقلق لدينا جميعاً من العواقب المؤكّدة لكيفية تعامل الدولة مع تلك المسؤولية، وكوفيد-19 مسؤولية فضفاضة على حكومات البلدان البالغة التطوّر، فكيف به على حكومتنا نحن، المعطّلة حالياً وغير الفاعلة أساساً؟ أردت أن أرحل ليكون ثمة مكانٌ ننتظر فيه رحيل الوباء ونجاعة لقاحه، مكانٌ أكثر لطفاً بشبابه ومسنّيه من الناحية الطبية من لبناني.

المهمّ حدث السيناريو الذي كنت أسعى بكلّ جوارحي لتفاديه. من المتضرّر؟ أكبرنا سنّاً والوحيد من بيننا الذي يعاني مشاكل ضغطٍ وكلىً ورئتين. توجّب علينا إذاً وضع خطّةٍ سريعة: لا أعراض مخيفة سوى بعض الضيق في التنفّس الذي يتّضح كلّما تكلّم، سعالٌ بطبيعة الحال، وتعبٌ شديد جعله يلازم الفراش. لم يمرّ وقتٌ حتى اتصلت بنا ممثّلة وزارة الصحة لتطمئن على صحّة والدي وتأخذ بعض التفاصيل: "هل يشعر بضيقٍ في التنفّس؟".

-نعم، لكن يمكن القول إنه يستطيع التنفّس بشكلٍ مقبول حتى الآن، فلنسمّه لهاثاً.

-إذن ليس لديه التهاب رئوي.

أغلقت الخطّ والفايل على الأغلب. دقائق قليلة أخرى مرّت قبل أن تتصّل ممثلةٌ عن البلدية. سألت الأسئلة نفسها لكنّها هذه المرة أخذت رقم هاتف الوالد واتصلت به، ليعاود بدوره الاتصال بنا بعد إغلاق الخط معها.

-هذه الدكتورة من البلدية. أحسّت بأنني لست على ما يرام وطلبت مني التوجّه إلى المشفى. كما قالت إنها سترسل الصليب الأحمر بعد قليل.

دبّ الذعر فينا. كيف سيذهب وحيداً إلى المستشفى؟  هل نلاقيه هناك؟ هل سيسمحون لنا برؤيته؟ ثم هل إن المستشفيات بؤرة كورونا كما يُقال؟ حين يُصاب عزيزٌ بفيروس كورونا، يصعب عليك تقبّل مفهوم ال"عن بعد". لكنك، شيئاً فشيئاً، تصبح متمرّساً في الأمر: أطبّاء عن بُعد، مستشفى منزليّ يُدار عن بُعد، اتصالات عن بُعد، نتائج فحوصات عن بُعد، تنسيق مواصلات عن بُعد، إرسال الطعام عن بُعد... يصل بك الأمر حدّ تنسيق كيف سيضع شاب الديليفري الطعام أمام الباب ليرنّ جرس الباب من بعدها ويختفي مباشرةً في المصعد ويهاتفك من هناك لتؤكّد على والدك كي يُرسل في طلب طعامه من أمام الباب.

ساعتان بعد وصول والدي إلى المستشفى مع الصليب الأحمر، وبعد زيارةٍ سريعة له من أمام الحاجز الذي يفصل بين "باحة مرضى كورونا" والعالم الخارجي، كان لا يزال منتظراً في الباحة نفسها، في الهواء الطلق، يرتجف من البرد ويعدّ الدقائق ليصل الطبيب الذي سيكشف على حالته ويقرّر بحسب الفحوص ما إذا كان عليه أن يلازم المشفى المخصّص لحالات كورونا.

ساعتان زمنٌ طويل في الجدول الزمني لكوكب الأرض في عصر كورونا، فما بالك بساعتين في الجدول الزمني للبناني سبعيني قرّر أن يلتزم بنصيحة طبيبة البلدية المعنيّة مشكورةً بصحّته فيتوجّه إلى مشفىً تبيّن بعدها أن لا أماكن شاغرة فيه ولا طاقم أو تقدير كافيين للتنبّه إلى أن وضع الانتظار هذا قد يفاقم من حالته لا سيما أن قاعات انتظار كوفيد في الهواء الطلق في عصر ليلة من ليالي كانون.

في هذا الوقت كنّا معه على الخطّ وطلبنا إليه التوجّه إلى أحد الممرّضين أو الممرّضات ليسأل عن فحوصاته ففعل، فإذا بصوتٍ يصرخ فيصل إلى أذنينا نحن المتجمّعين حول الهاتف: إلى أين تقترب؟ هل تريد أن تعديني؟ ما الذي دهاك؟ عد إلى الخلف. هممنا بالتعليق الغاضب فإذا بأبي يقول لها: "لا تواخذيني، هيدي بنتي بتقلق عليّي".

تلك كانت اللحظة التي قرّرنا فيها أنّ أوان المغادرة قد آن. توجّهت إلى المستشفى لأقلّ أبي إلى المنزل. كان من المستحيل إقناعه بالتوجّه إلى أيّ مستشفى آخر. أراد في تلك اللحظة أن ينام في سريره، وألا يرى أيّ ممرّضٍ أو ممرّضةٍ أو أيّ رداء أبيض. هو موقفٌ يقع فيع الكثيرون من قبل كورونا حتى: كيف تُجبر محبوباً على الذهاب إلى المستشفى، وهل عليك أن تجبره أساساً؟ أين تقع حدود مسؤوليتك وحدود تعدّيك على حرّيته الشخصية؟ ثم لمَ ننصّب أنفسنا فجأةً أصحاب القرار، في وجود الشخص المعنيّ؟

حين عدتُ إلى منزلي، كانت الاتصالات قد بدأت وسؤالٌ واحد يتردّد بيننا جميعاً: إذا كان أبي يرفض النوم في المستشفى، كيف يمكننا إحضار المستشفى إليه، وبأقصى سرعة؟ كما في كلّ مجال آخر، كلّما قرأتَ عن كورونا كلّما ازدادت مخاوفك وحين تتزاحم الأفكار في رأسك وتُضاف إليها رشّةٌ كريمةٌ من اضطراب القلق المعمّم بعد كلّ ما مررت به في بلدٍ كلبنان، تتمنّى لو أنك من أولئك الذين لا يأبهون للعِلم، القادرين على الرقص بين الجموع ليلة رأس السنة من دون أي تفكيرٍ في ذاك الفيروس المبروم الأحمق، الوهميّ، أو الذي لا يُصيبك لأنك خارق، أو لأنك لا تستطيع التغلّب على قضائك وقدرك لذا لا داع للقلق.

في عالمي، الفيروس حقيقي، وتأثيراته حقيقية، ولا دخل للقضاء والقدر إذا استيقظت متأزّماً بعد سهرة رأس السنة بيومين لتجري فحص بي سي أر يتبيّن بعده أنك مصاب بكورونا. في عالمي أيضاً، كوفيد خطرٌ لا يمكن التهاون معه لا سيما لدى من عاش حياة مشبعةً بكلّ المخاطر كحياة أبي.

 لم يحن الوقت بعد يا أبي، ما زال أمامك الكثير لتخبرني به، عن كل تلك المغامرات التي خضتها، وكلّ الضحكات التي ضحكتها، وكلّ لحظات الفرح. سألتك مؤخّراً عن بعض لحظات الألم، لكننا لم ننه حديثنا بعد، فلا تحدّثني أرجوك عن أرقامك السرية وتفاصيلك البنكية فهذا آخر ما يعنيني في هذه اللحظات.

حين تتلاقى مخاوفك التي غالباً ما يحيلها محيطك إلى حالة القلق المعمّم لديك، مع حديث أبيك عن أرقامه السرية، تتّخذ الأمور في ذهنك بعداً آخر. والأنكى أنك لا تستطيع رؤيته في هذه المحنة سوى لدقائق، قد تتحوّل خلالها إلى كائنٍ فضائيّ بقلنسوتك الملتصقة برأسك ورداء الحماية من الجراثيم الذي طلبته منك ممرضةٌ تواصلتَ معها واتفقتما على حضورها لرعاية أبيك طبياً لكنّها لم تحضر في اللحظة الأخيرة، وكمّامتك "الإن ناينتي فايف" التي تصعّب التنفّس. تقف إلى جانب ماكينة الأوكسيجين ويخطر لك أن لا بدّ من أخذ صورةٍ تخلّد لحظة تحوّلك إلى كائن فضائي يحتضن آلة السفر عبر الكواكب. لكنك سرعان ما تخاف وتقرّر الهرب. وبمجرّد أن تهرب، يتآكلك شعورٌ بالذنب: بالله عليك، كيف أمكنك أن تخاف من البقاء إلى جانب أبيك!

ما الفارق بين البيت والمستشفى في علاج كورونا؟ العناية الطبية الضرورية والمراقبة، وإعطاء الأدوية في وقتها، والغذاء المخصص لحالة المريض، وماكينة الأكسيجين إذا لزمت.

ما الفارق بين البيت والمستشفى في نظر مريض كورونا؟ عدد الذين يدخلون العناية الفائقة قريبٌ من عدد الذين لا يخرجون منها.

الممرّضون والممرّضات بعضهم يرفض رعاية مريض كورونا، وبعضهم الآخر يفكّر في الموضوع، ثم يعتذر في اللحظة الأخيرة. تكرّر سيناريو الاعتذار، كما تكرّر سيناريو محاولات استغلال أصواتنا المترجّية، إلى أن تمكّنا من ضمان مُمَرّضَين شابين يتناوبان بدوامين. ذهبت للقاء أحدهما وسألته حين لم يطلب كما الممرّضة الأولى أي تجهيزات محددة ليحمي نفسه من الفيروس: هل سبق أن أُصبت بكورونا؟ أجابني: كلّا. كنت أتمنى أن يؤكد لي إصابته السابقة بكورونا كي أفهم لمَ ليس خائفاً مثلي فيقلّ إحساسي بالذنب، لكنه أجابني بكلّ هدوء: لأنني أريد أن أعمل.

أجهزة الأكسيجين بدأت تنضب. أمّنّا جهازاً في اليوم نفسه بعد بضعة اتصالات، وجهازاً لقياس نسبة الأكسيجين في الدم، وآخر لقياس ضغط الدم، وبالطبع ميزان حرارة.

الأطباء؟ يرفضون في الغالب زيارة مريضهم إذا كان مصاباً بكورونا كما يرفضون أن يزورهم هو، وبعضهم يسأل أسئلةً سطحية جداً ولا يكلّف نفسه عناء استجلاب الإجابات الضرورية من المرضى. تخبره مثلاً أنك مصاب بكورونا فيسألك إن كنت متعباً أو تشعر بالحاجة إلى الذهاب إلى المستشفى، وحين تجيبه بالنفي لا يخطر له خوفك من المستشفى مثلاً، ولا هواجسك بأن تُمنع من رؤية أحبابك التي تتحكّم في إجاباتك، فلا يعطيك أيّ أدوية.

بعضهم أيضاً قد يتحسّس من مشاورتك طبيباً آخر، وقد "يحرد" ويرعبك من أنك ارتكبت خطأً فادحاً بحقّ نفسك. تتصل بطبيبٍ آخر فيصرخ بك لأنك خارج المستشفى ولأنه لا يستطيع التشخيص عبر الهاتف. تضيع بين من لا يشخّصون سوى عبر الهاتف، ومن لا يشخّصون عبره، فتجد نفسك فجأةً مضطراً إلى أداء دور الطبيب. ثمة أدوية قد تتعارض مع حالة المريض، وثمة فحوصاتٌ أُجريت في طوارئ المستشفى المخصص المذكور لم تصدر نتائجها بعد. والسبب؟ اسم المريض غير موجود على السجلّات. من أخذ اسم المريض من السجلات؟ معضلةٌ أخرى عليك حلّها كي لا تضيّع المزيد من الوقت.

بعد زيارات للمستشفى ومباحثاتٍ طويلة، يتبيّن بمعجزة أن اسم المريض مسجّل تحت اسم عائلة أخرى. كيف لك أن تثق بالنتائج الآن؟ تعيد الفحوصات، ترسل عبر الهاتف شخصاً ليسحب عينات الدم، وتستحصل على لائحة بالفحوصات الضرورية. كلّ شيء عبر الهاتف، ما عدا صورة الصدر (CT scan)، وهي خطوة ضرورية لكل مريض كورونا. مواعيد المصابين بكورونا بعد الظهر، ومواعيد غير المصابين قبل الظهر. كما المتطلّبات مختلفة، وطريقة الدخول إلى المستشفى مختلفة أيضاً. ثمة حارس يرافقك إذا كنت من المصابين، بينما تنزل وحيداً حرّاً طليقاً إذا كان فحصك سلبياً. ثمة حارس يرافقك، لكن طبيبك يرفض رؤيتك. يصعب عليّ تصوّر أن ثمة أطبّاء تخلّوا عن مرضاهم كي لا يزداد عدد الذين لم يتمكّنوا من إنقاذهم.

أما الأدوية، فمعظمها غير متوفّرة في الصيدليات. شراء كل دواء يحتّم زيارة ما لا يقلّ عن خمس صيدليّاتٍ في المناطق الأقلّ اكتظاظاً. "استهدفوا الصيدليات الصغيرة"، نصيحة تكرّرت على مسامعنا. وثمة أدوية لا تُعطى إلا بطلبٍ من طبيبٍ محدّد وتتطلبّ أن تكون لديك بعض العلاقات.

أما الغذاء المخصص لكورونا، والمتناسب مع الوضع الصحي للمريض، فموضوع متاح بمساعدة بعض الأصدقاء.

اليوم، والدي في صحّة جيّدة بعد أن تغلّب على كورونا (أحبّ أن أصدّق أن زمرة دمه ساهمت في حمايته وهو ما أثبتته بعض الدراسات العلميّة)، لكنني في الآن نفسه أشعر بامتنانٍ شديد لا أوجّه قطرةً منه إلى أي عنصر من عناصر الدولة الرسمية، بل أوجّهه كلّه إلى مجموعة من الأشخاص والأحبة الذين لن يقوم لبنان سوى بأمثالهم، هذا إن لم يُحبَطوا أو يغادروا هم أيضاً.

 

الكلمات الدالة