إعلان

ولادة جديدة لجبران "هذا الرجل من لبنان" ووثائق عنه (1 من 2)

المصدر: النهار العربي
رؤوف قبيسي
غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
A+ A-

 

لا يملك الناظر في كتاب باربره يونغ "هذا الرجل من لبنان"، عن جبران خليل جبران، مُصاغاً بالعربية بجهود هنري زغيب، إلا أن يرفع القبعة لهذه الشاعرة الأميركية، ولهذا الشاعر اللبناني.

وفي حين أن يونغ، نالت عن كتابها ما تستحق من التقدير، بدءاً من عام 1945 الذي شهد الطبعة الأولى من كتابها في الولايات المتحدة، تقتضي الأمانة حالياً الثناء على هنري زغيب، وعلى "مركز التراث اللبناني" في "الجامعة اللبنانية الأميركية"، التي رعت إصدار صدارالكتاب بحلته العربية الأنيقة.

 

غالباً ما يحتاج القارئ العربي، وهو يطالع كتاباً ضعيف الترجمة، أن يعود إلى اللغة الأصلية التي كتب فيها، لفهم مرامي الكاتب ومعانيه حق الفهم، ولكن في حال كتاب برباره يونغ هذا، لا يحتاج هذا القارئ إلى أدنى جهد لفهم نص بهيّ مشرق، أنفق عليه صاحبه الكثير من الجهد والتعب.

ليس ذلك بمستغرب على ايّ حال، فلغة الكتاب نثر مكحل بنفحة شعرية، والصياغة العربية جاءت قريبة من ذلك، ما يعفي قراء العربية، من اقتناء الكتاب بلغته الأصلية، ويعطي من ليس مُلمّاً بالإنكليزية منهم، فرصة جديدة للدخول إلى عالم جبران الشاعر والفنان والإنسان، فرصة ما كانت تتحقق، لو أنّ المترجم نفسه لم يكن شاعراً، لأنّ المسألة ليست معرفة لغة وإن بلغت درجة عالية من الإتقان، بقدر ما هي مسألة فهم شاعر لفضاء شاعر آخر، ما يجعل الطبعة العربية من الكتاب عملاً فريداً من نوعه، ويجعلنا نقول من غير تردد، إنّ هنري زغيب أصاب وأجاد، وأتحف المكتبة العربية بسفر نفيس مفيد لقراء جبران ومحبيه عموماً، وللعاملين منهم في حقل الدراسات الجبرانية بنوع خاص.

 
 
هنري زغيب
 
 

رسائل ووثائق

الكتاب ثلاثة اقسام من 600 صفحة، الأول في نحو 275 صفحة، هو نص يونغ عن جبران كما عرفته خلال سنوات سبع، هي الأخيرة من حياته. صفحات كثيرة من هذا القسم الأول هي من صنع هنري زغيب نفسه، وتشتمل على عشرات الحواشي التي تشرح هوية الأشخاص والأماكن التي ذكرتها يونغ، وتركتها من غير تفسير أو إشارة، بحكم أن القراء الأميركيين يعرفونها ولا سبب يدعو لشرحها، لكنها بقيت مجهولة لدى الكثيرين من القراء العرب، فجاء هنري زغيب وفك رموزها إن صح التعبير، ولك ان تدرك أيها القارئ الكريم كم من الجهد أنفق الشاعر في هذا السبيل.

هذا لجهة النص واللغة والترجمة، يبقى المثير والشائق في هذا الكتاب الأنيق شكلاً ومضموناً، ما تضمنه القسم الثاني من رسائل ووثائق لبنانية وأميركية جديدة، عن وجوه جدد من رجال ونساء، كانت لهم أدوار في حياة جبران، ولم نكن نعرف عنهم الا النزر اليسير، أو لا شيء على الإطلاق في كل ما كُتب عن جبران في العربية حتى الآن، ما يعزز قول زغيب "إن جبران لم يمت وما زال يولد كل يوم"، وانسجاماً مع قول جبران انفسه: "سبع مرات ولدت، وسبع مرات مت، وها أنا الآن أعيش من جديد"، كما جاء في مؤلفه "يسوع ابن الإنسان".

 

أهمية هذه الوثائق أنها تضيء جوانب مظلمة من حياة جبران، وما اكتنفها من خيالات وأحلام ومناجاة وظلال، ونزعات أرضية وروحية رسمتها له الأقدار، من يوم ولد في بلدة بشري شمالي لبنان، سنة 1883، إلى مهجره الأميركي الذي شهد آخر فصل من ملحمة حياته "الأرضية" في العاشر من نيسان سنة 1931.

 

 

في حضرة إلهية

لا يُعتبر نص برباره يونغ عن جبران تأريخاً، هو نظرات فردية في شخص جبران وصلت بالشاعرة إلى حد ان وضعته في مرتبة القديسين، مثل قولها إنها كانت تشعر معه أنها في "حضرة إلهية"، وقولها في مكان آخر "إن إسهام جبران الساطع في الأدب والفن العالميين يتوسع حتى ليؤدي إلى شفاء الأمم"، وفي الصفحة 161 تقول "ولد جبران رسولاً من الله ليعيد صياغة فهم البشر جوهر الحياة". تذهب إلى ابعد من ذلك بالقول: "إن جميع التجارب والاختبارات التي عاشتها مع جبران جعلتها توقن أن هذا الرجل من نسيج إلهي".

 لا تكتفي يونغ بخلع مسوح "القداسة" على جبران، كما لو أن ذلك رأيها وحدها ونظراتها وحدها فحسب، تسحبه أيضاً على المغتربين اللبنانيين والسوريين في أميركا وتقول: "كان جبران مختارا من الله بنظر مواطنين شبان من بني جنسه، ولدوا في الغرب، لأهل جاءوا من أرض أم".  

يحار المرء في تفسير هذا الهيام الشديد الذي تبديه هذه الشاعرة الأميركية نحو جبران، إلى حد وضعه في مصاف القديسين والرُسل.

 لا علينا مع ذلك أن نرتكب المعصية، ونسّفه كلامها عن جبران، ونقول إنه هذر وأضغاث أحلام وطلاسم من مجاز وكنايات واستعارات. إن كونها شاعرة، وإيمانها بالخلود وعودة الروح، وبأن الموت ولادة أخرى، وهما إيمان جبران نفسه، جعلها ترى جبران من الداخل، وبعين مغايرة لعيون العامة من الناس، وترسم صوراً رمزية عنه كواحد من "الأنبياء" الساعين للحق والخير والعدل والجمال. من ثمّ، أليس ابن الفارض هو من أكّد لنا هذه الرسالة قبل مئات السنين بقوله: "كل من جاء منا بالحق قام بالرُسُلية"؟.

 

بعيداً عن هذا النسيج الرمزي، تكشف لنا يونغ، عن جوانب أخرى من شخصية جبران وتقول: "خلف هذا الجبران، الذي يكتب ويخاطب الكبار، يقف جبران آخر متحفظ منطو على ذاته"، وفي موقع أخر تشير إلى ما كان لديه من روح النكتة والدعابة. تذكر حادثة طبخ فيها حساء، وجاء بقصعة كبيرة، نثر فيها فُتاتا من الخبز اليابس المحمّص، ثم أخذ ملعقة ورسم في القصعة خطا وهمياً وقال لها بكل وقار: "هذا نصفك من الحساء، وهذا نصفي، فلنحتس دون أن ينال أحدنا من حصة الآخر". تقول ايضا إنه كان أحياناً يتصرف كطفل يحلو له الرقص، "يضع يده حول خصره ويروح يدور في مكانه كراقصة محترفة تتغاوى على رؤوس أصابعها".

 

بربارة يونغ
 
 

الرحلة إلى لبنان

تُطلعنا يونغ عن رحلتها المثيرة إلى لبنان في تشرين الأول من العام 1939، والحرب العالمية على الأبواب، وكيف وجدت بيروت معتمة "تضج بأفواج الجنود الفرنسيين والسنغاليين". استقبلتها جموع غفيرة، منهم رجال مرموقون كانوا أتراب جبران في المدرسة، جاءوا يسألوها عن جبران وحياته في أميركا. تذهب إلى بيت جبران في بلدة بشرّي وتزور المتحف الذي يضم رسومه وأغراضه. تزور "مدرسة الحكمة "وتقابل الأب يوحنا مارون الذي يرشدها إلى قاعة الدروس التي كان يجلس فيها جبران. تشاهد المنبر الذي كان يجلس عليه الخوري يوسف الحداد "الوحيد الذي استفاد جبران من تعليمه" كما أخبرها. تقابل رجال علم وأدب، منهم المؤرخ فؤاد أفرام البستاني، والأمير موريس شهاب، ورئيس الجامعة الأميركية بيارد دودج. تصف بشرّي بكلمات شعرية: " كانت جوهرة جمال بسيط وصدق فطري. كنت انوي العيش جزءاً من السنة فيها والآخر في بيروت، لكن الحرب دهمتني".  

                  

"وليم بليك القرن العشرين"                                             

الحق أن هنري زغيب، رغم افتنانه في نص يونغ المعسول وحبه جبران، لم يحل هذا بينه وبين أن يكون حيادياً وموضوعيا، ففي حين تقول يونغ إن الفنان الفرنسي رودان قال عن جبران "إنه وليم بليك القرن العشرين"، يُرجّح زغيب أن القول هو قول جبران، نسبه إلى رودان. في مكان آخر من الكتاب تقول يونغ أن جبران أخبرها أنه كان لدى أمه في بشري مربية.  يستكثر زغيب على أم جبران أن قد كانت لديها مربّية، بسبب ما كانت تعانيه العائلة من فقر وضنك، ويقول ان لا مرجع يذكر ذلك. يعتبر هذا كله، من "شطحات" جبران. ينفي أيضاَ ما ذكرته يونغ أن بعض المتعصبين احرقوا روايته "الأجنحة المتكسرة" في ساحة بيروت العامة، أو أن تكون الدولة اللبنانية أصدرت قرارا بنفيه، وأن الكنيسة المارونية اصدرت قرارا بتحريمه، دليله عن ذلك "أن مأتم جبران في بيروت وبوسطن جرى بجميع الطقوس الجنائزية الكنسية". يخالف زغيب ايضاً قول يونغ، إن كاملة عبد السلام رحمة، أم جبران "كانت تتقن غير لغة"، ويقول إنها كانت أمية، وان شقيقته مريانا كانت أيضاً أمية. يحلو لزغيب أن يسمي هذا كله "شطحات" جبرانية، أو "أسطرة"، ويقول إن جبران كان يتقن هذه "الأسطرة" ليظهر شخصيته، مدركاً أن يومًا سيأتي وتؤلف باربره يونغ، وماري هاسكل كتبا عنه، في سياق ما استحدثه من عبارة سماها "الهاجيوغرافيا"، أوعلم الكتابة التقديسية.

 

يصعب على من ينظر في سيرة جبران أن يصدق "كل" ما جاء في كتاب يونغ، وأن يكون جبران ذلك المغتّر. كذلك من الصعب التسليم بقول هنري زغيب أن جبران كان ينسج روايات عن نفسه لعلمه أن يونع وهاسكل ستضعان كتبا عنه في المستقبل. في رأينا أن جبران كان متصالحاً مع نفسه، وليس في حاجة إلى أن ينسج روايات مغلوطة عن طفولته ليرفع من قدر نفسه، ولا سبب يدعو إلى عدم تصديق يونغ أنه لم تكن لوالدة جبران مربية تعينها على تربية أولادها الأربعة، علماً أن المربية في جبال لبنان، في الزمن الذي عاش فيه جبران قد تكون ابنة الجيران، أو فتاة يتيمة تعمل في البيوت، مقابل قروش معدودة لتأكل وتشرب، لا كما نفهمه اليوم من كلمة مربية في مُدننا. من الصعب تصديق يونغ أن أم جبران كانت تتقن لغات عدة، لكن يصعب أيضاً، التسليم بأنها كانت أمية كما يقول زغيب.

كانت كاملة رحمة ابنة رجل دين هو الخوري أسطفان رحمه، ولا بد ان رجل الدين هذا قد أرشد أبناءه في داره، قبل أن يرشد الرعية في القرية، وعلمهم مبادئ القراءة والكتابة، لا ليغتنوا أو ليتسلموا المراكز، بل ليفهموا "الكتاب المقدس" في أقل تقدير!

نفهم من الكتاب أيضاً، أن جبران الذي عشق لبنانه وطلب أن يدُفن فيه، وان تنقل مقتنياته من صور ورسوم إلى بلدته بشري، لم يلق من موطنه إلا الجفاء. عارضته الكنيسة واتهمه بعض رجال الدين، أو بعض دجاّلي الدين بالإلحاد.

 

في جلسة مع أندرو غريب، مواطن من لبنان كان يترجم بعض نصوص جبران العربية إلى الإنكليزية، يقول له جبران:" في لبنان ينشرون لي ولا أعرف. ينقلون مقالاتي وكتاباتي ولا يستأذنونني. يطبعون مؤلفاتي العربية ولا يرسلون إليّ قرشا واحدا، بينما أنشر هنا بالإنكليزية فيأتيني مردود من مقالاتي وقصائدي في الصحف والمجلات، ومن كتبي لدى دار "كنوف"، ولولا بيعي بعض رسومي ولوحاتي، لكنت الآن في عوز". لقد عرّفنا هنري زغيب، نحن القراء اللبنانيين والعرب، بالكثير عن جبران، بقدر ما عرّفتنا يونغ وعرفت قراءها من الأميركيين، لكن ما يؤسف له حقاً، أن لا أحد من الكتاب والصحافيين اللبنانيين، بدءاً من ثلاثينات القرن الماضي، إلى نهاية الستينات منه، من كلّف نفسه وسافر إلى بوسطن للقاء مريانا شقيقة جبران (توفيت في العام 1972)، ليستطلع منها معلومات عن شقيقها جبران، ما كان يمكن نشره في سلسلة مقالات أو كتاب مستقل، أو إلى ولاية جورجيا ويلتقي ماري هاسكل، وهذه توفيت في العام 1964.

 

من حسن الحظ أن ميخائيل نعيمة اجتمع إلى ماري هاسكل، في محطة قطار "غراند سنترال" في نيويورك عام 1931 بعد عودتهما من مأتم جبران في بوسطن. دام اللقاء ساعات معدودة، أمدته هاسكل خلالها بمعلومات عن جبران، كانت كافية لتساعده على وضع كتابه عن جبران. أربعون سنة من الإهمال ويا للأسف، وحكومات لبنان مشغولة بالسياسة والخلافات وطق الحنك. لا مسؤول لبنانياً كلف نفسه الاهتمام بجبران وإرث جبران، ولا صاحب دار نشر لبنانية، أرسل مندوباً عنه إلى الولايات المتحدة لهذه المهمة. هذا مظهر آخر من مظاهر جفاء لبنان نحو جبران، يجعلنا فعلا نقّيم ما يقوم به هنري زغيب و"مركز التراث اللبناني" من أنشطة تحفظ تراث هذا الفنان العظيم من الضياع، وتُخّلده عبر الأزمنة.

 

جبران والنساء

أمر آخر بقي سراً من حياة جبران لم يكشفه الكتاب، وهو ما إذا كانت لدى جبران علاقات جنسية مع النساء. لا تشير يونغ إلى أي علاقة غرامية. لكن في الفصل الذي عنوانه "بأقلامهم" في القسم الثاني من الكتاب، مقال لفؤاد أفرام البستاني نشر في مجلة "المشرق" سنة 1939، يقول البستاني فيه إنه سأل يونغ، في أثناء زيارتها لبنان عن جبران والنساء، فأكدت له أن جبران "كان في جميع علاقاته روحياً ساميا يترفع عن الشهوات البشرية"، وأضافت:" لا أعرف له علاقة غرامية واحدة. لم يطلعني قط، وهو أطلعني على الكثير من شؤونه، على أنه أحب حب شهوة في حياته". مهما يكن، ليس في كل ما قرأناه عن جبران إشارة إلى علاقة جنسية بينه وبين امرأة، باستثناء ما يرويه نعيمة في كتابه عن جبران، من أنه تعرف في مطلع صباه إلى سيدة اميركية أعجبت برسومه، وكان يتردد إلى بيتها، إلى جاء يوم ودع معها عذريته، أو "عفة الصبا وطهارته" على حد قول نعيمة. يقول نعيمة أيضاَ إن ميشلين، المعلمة الفرنسية التي تعرّف إليها جبران في مدرسة ماري هاسكل، لحقته إلى باريس، فلا يُعقل أن جبران الذي عرف نسوة كثيرات في حياته، ما كانت له علاقة جنسية مع إحداهن. في الكتاب ذكر لسيدة استفّزت جبران وسألته إن هو عشق امرأة في حياته، فأجابها بغضب" اسمعي ما قد لا تعرفين. أكثر الرجال رهفة جنسية هم المبدعون. حياتهم الجنسية هبة عذبة رائعة يتمتعون بها، إنما في جو من الألفة الحميمة". عليه نتساءل، ألم يكن جبران ذلك المبدع؟! ألم يعرض على ماري هاسكل الزواج؟ لقد عرف جبران فتيات شاعرات مرهفات، أُعجبن به، ولا نشك في أنه قد وجد مع إحداهن ذلك الجو الحميم الذي تألفه روحه. لا يُعقل ألا يكون جبران قد أغرم بامرأة، وكانت له معها علاقة جنسية. كيف لا وقد أتحفنا بتلك الفصول العذبة الحارة عن الحب، وهو القائل" حتى الروح المجّنحة إلى أقصى الحدود، يصعب عليها أن تهرب من ضرورات الجسد"!

(التتمة في المقال المقبل)

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم