إعلان

الرّوائي محمد علاء الدّين: الكتابة وسيلة لتأكيد استحالة فهم العالم ​

المصدر: القاهرة- حسن معروف
محمد علاء الدين
محمد علاء الدين
A+ A-

يعتبر محمد علاء الدين، أحد أبرز كتّاب جيل الألفية الجديدة، الذين شهدوا فترةً من التجريب، وتفاعلوا مع نقلات تكنولوجية في مجال الكتابة والتدوين والنشر، واستوعبوا سريعًا كلّ هذه الأدوات الحديثة ليصنعوا منها جسرًا أو التواصل مع الآخر.

تخيّر محمد علاء الطريق الأصعب في النقد الذاتي الساخر الموجع، منذ بدأ صغيرًا في المجلات الشبابية والتجارب الجديدة، إلى حين صدور أعماله الروائية "إنجيل آدم"، وصولاً الى "كلب بلدي مدرب" التي أطلق فيها صرخة أن كلّ شيء في المدينة "شِبه شيء"، بل حتى المدينة نفسها هي شِبه مدينة. حول تجربته الروائية وأدواته الإبداعية وأعماله الأدبية الرائجة وعلاقته بالمدينة والناس والأشياء، تحدّث محمد علاء الدين لـ"النهار العربي"، فكان هذا اللقاء.

 

* كيف اكتشفتَ نفسك كاتبًا؟ ومتى حدث أول لقاء بينك وبين الكتابة؟

- إذا كنا نتكلم عن الكتابة عامة، فلا بد أن أذكر تجربتي وأنا طفل مع مجلة سمير، اشتركت في باب يدعى "المراسل الصحافي الناشئ"، وكنت أكتب مقالات وتحقيقات، وأجري حوارات.

كانت أستاذتي الأولى هي نتيلة راشد، رئيسة تحرير سمير، والأستاذ محسن الزيات الذي تولى مسؤولية الباب لفترة طويلة. حتى الآن، أتذكّر بفخر أنني عملتُ على تحرير باب الطفل في صحيفة محلية هنا في القاهرة، تدعى "الصناعة والاقتصاد" على ما أذكر. كنت أتقاضى عشرة جنيهات في الشهر وأنا في الرابعة عشرة من عمري، أقول لنفسي: إن كان مقياس الاحتراف هو تقاضي أجر ما تقوم به، فقد كنت بالطبع محترفًا أيامها.

بالنسبة الى الكتابة الإبداعية، حصل أن اقترح علينا الراحل نبيل فاروق، أنا ومجموعة من الأصدقاء الأعزاء، أن نكتب سلسلة كتب ساخرة تدعى "مجانين"، عام 2000. نجحت السلسلة نجاحًا كبيرًا، وكنا نبيع 20 ألف نسخة في العدد الواحد. كنت أيامها واعيًا جدًا لفكرة أنها كتابة ساخرة، ولم أستسغ يومًا فكرة أن أدعوها بـ"الأدب الساخر".

 كان الأدب الساخر بالنسبة إليّ هو "مارك توين" مثلاً، إن جاز أن نطلق عليه مثل هذه التسمية. كان أحمد العايدي يسألني: متى ستكتب روايتك؟ كنت أقول له لم يحن الأمر بعد. عامي 2003 و2004 على الترتيب نشرت أولى مجموعاتي القصصية "الضفة الأخرى" في الهيئة العامة لقصور الثقافة، وفازت روايتي الأولى غير المنشورة "الدوائر" بالجائزة المركزية لقصور الثقافة. كنت متوترًا جدا قبل هذين الحدثين: لقد نجحت في الصحافة وفي الكتابة الساخرة. فماذا عن الأدب؟

* كيف يمكن للروائي محمد علاء الدين أن يضع تعريفًا للكتابة؟

- لا أعرف كيف أضع تعريفًا محدداً للكتابة. يمكنني فقط أن أقول إن الكتابة هي وسيلة لفهم العالم، أو لتأكيد استحالة فهمه.

 

كيف تشرح للعائلة أن مهنتك "كاتب"، بخاصة غير المتعاطين مع الكتابة نهائيًا؟

- أهلي متفهمون الأمر، جميعهم يحبّون الأدب، وتحديدًا نجيب محفوظ. ولكن، ومن وقت الى آخر، يعبر بعضهم عن أسى ما لأنني لم أكمل طريق الصحافة، معلّلين الأمر بأنّه كان بإمكاني كتابة رواياتي بعد الظهر. لا يمكنني السخرية أبدًا من هذا، فهذه كانت طريقة نجيب محفوظ بالفعل.

 
 

لكل كاتب طقوس مرتبطة بعملية الكتابة، بعضها طبيعي وبعضها غريب، مثل هيمنغواي الذي كان يكتب واقفًا، أو نابوكوف الذي كان يكتب كل أعماله على كروت ورقية صغيرة، هل لك طقوس معينة؟

- أبدًا، أنا كائن تقليدي بشكل ممل، أو أنا ملول لدرجة ألا ألتزم بنظام بعينه. أتذكر الفترة التي انتقلت فيها للكتابة مباشرة على الكمبيوتر: كنت أجد صعوبة في كتابة الجملة التي تتدفق في عقلي بينما تتعثر أصابعي فوق لوحة المفاتيح، في النهاية وفقت بين هذه السرعة وذلك البطء. ولكي أكون أمينًا معك، لا أعلم إن كنت قد أتقنت الكتابة على الكمبيوتر، أم أبطأت سرعة عقلي، ومن الأفضل ألا أعرف. ربما هذا ما يجعلني أعود الآن الى الكتابة على الورق قبل أن أطبعه بنفسي على الكمبيوتر، وحتى هذا لا ألتزم به كنظام.

حين ذكرت نابوكوف، ذكرتني مثلاً بأنني كتبت قصة "موسم الهجرة إلى أركيديا" على ورق "المعسّل" الكرتوني، الذي استعرته من القهوة التي أجلس فيها: لم يكن الأمر وسوسة إبداعية، فقط لم يتوافر لدي ورق وكنت أرغب في الكتابة فورًا.

 

* في روايتك "اليوم الثاني والعشرون" تخيّل بعضهم أنك قد كتبت الرواية بشكل زمني معتاد، ثم قطعتها لتصنع هذا التداخل الزمني في حوادثها. هذا يجعلني أسألك: ما الذي تكتبه أولا في الرواية: بدايتها أم نهايتها؟ وكيف تبدأ معك الرواية، أهي قصة حوادث أم قصة شخوص؟

- نعم، تخيل بعضهم ذلك، ولكنني بالفعل كتبتها مثلما قرأها الناس. بالمناسبة كانت هي أكثر رواياتي انضباطًا في عادات الكتابة، كنت أصحو من النوم لأكتب ست صفحات "فلوسكاب" كل يوم لأسبوعين.

بالنسبة الى سؤالك أنا أكتب الرواية كما تقرأها بالضبط، أكتب العنوان المقترح وأبدأ من المفتتح إلى النهاية. لم يسبق لي أبدًا أن كتبت أجزاء من الرواية قبل أن أكتب أجزاء تسبقها. هذا عجيب، ولكنه راجع لعادتي الأعجب بألا أعيد كتابة النص: أكتبه إلى نهايته، ثم أحيله إلى دار النشر. هي عادة حمقاء سوف أتخلص منها في يوم من الأيام، عندما أصير أقلّ نزقًا.

وفي ما يخصّ الحوادث أو الشخوص، أظن أنني أجمع بينها في أعمالي، تشدني القصة نفسها، الحوادث، كما تشدني الشخصية التي أبتكرها فوق الورق. أظن أنني أبدأ دائمًا بالتفكير في الحدث، ثم تتشكل الشخصيات بشكل طبيعي بعدها.

 

*منذ عام 2000 والعالم يشهد انفجارًا في المحتوى الكتابي عبر الإنترنت، هل تظنّ أنّ تأثير هذا الأمر سلبيًا على فنّيات الكتابة أم أنه يدعم التجريب بطريقة لا نهائية؟

الفكرة الثانية بلا شك. أدعم تمامًا فكرة أن يكتب الناس وينشروا بحرية، لا يزعجني موضوع مستوى الكتابة، أعتقد أن الزمن دائمًا هو أفضل ناقد. أقول دومًا إنني أفضل، في سوق النشر، عشرة كتب منها كتاب واحد فقط استثنائي أو بالغ الجودة على أربع كتب متوسطي المستوى.

 

* في حوارك مع مجلة "إسبرسو" الإيطالية الشهيرة، سُئلت عن سبب سخريتك الشديدة، وربما القاسية، من مدينتك في روايتك "كلب بلدي مدرب". بينما أنت ابن المدينة ولست مهاجرًا أو وافدًا عليها. هل تصالحت معها الآن؟

- لم أخاصمها يومًا. الموضوع لم يكن سخرية بقدر ما هي فكاهة. الراوي كان يسخر من نفسه أيضًا. قلت في الرواية مثلا إننا نعيش في مدينة بها "شبه الشيء"، مثل المشاجرة التي هي "شبه مشاجرة". لا أظن أن هذه قسوة مفرطة، ويسعدني دائمًا أن يذكرني بعض القراء والأصدقاء بهذه الفقرة على خلفية ما نراه جميعًا في حياتنا اليومية.

 

 

* ولكن مجتمع وسط القاهرة هو موطنك، ومع ذلك كتبت مدينتك الخاصة، ووطنك الخاص، روايتك "الصنم"، والتي يعدّها بعضهم أفضل ما كتبته، بحيث تدور في حي شعبي، أهذا نوع من الرفض؟!

- كتبت عن وسط المدينة في روايتي "اليوم الثاني والعشرون" و"القدم"، كما أن "إنجيل آدم" نفسها تبدأ في الميدان غير المسمى في النص وهو التحرير. أظن أنه دائمًا هناك إشارة بشكل أو بآخر لوسط المدينة في كتبي. ولكنني أفهم سؤالك، لم أكتب رواية بعينها عن "وسط المدينة". ربما السبب أنني، في هذه الفترة من حياتي، لا أؤمن كثيرًا بالمكان كعنصر يتقدم على حكايات الأشخاص والمصائر، صحيح يؤثر المكان على خيارات الأشخاص وشخصياتهم، لكننا نحن دومًا من نصنع الأماكن، ونحن من نملك الانتقال من مكان إلى مكان. أظن أن حتى الصنم تخضع لهذا المقياس. الموضوع أشبه بتسمية فيتزجيرالد الصائبة لروايته "غاتسبي العظيم" وليس عنوانًا له علاقة بـ"ويست إيدج" (هي القرية الخيالية التي ابتكرها فيتزجيرالد في منطقة لونج آيلاند). المفارقة أن فيتزجيرالد لم يكن مقتنعًا تمامًا بالعنوان، وفضل عنوانًا يدل أكثر على المكان، ولكنها عبقرية الزمن أو المصادفة، ربما.

شعراء وروائيون كثر عبروا عن المدينة على مختلف مشاربهم، أيًا منهم تفضل؟

- بدون تفكير سأقول جويس وفوكنر. جويس في تجسيده الواقعي وفوكنر في اختراعه للمكان.

هل توقعت نجاح "إنجيل آدم"؟ وما أفضل ردود فعل تلقيتها على عمل لك؟

- لا. كيف ستنجح رواية مكونة من فقرة واحدة لا تتوقف من البداية إلى النهاية؟ هي ليست بالرواية الصديقة للقارئ، ومع ذلك نجحت، ونجحت نجاحًا كبيرًا، سواء مع النقاد أو مع القراء. ربما أفضل رد فعل هو ما قاله لي صنع الله إبراهيم عبر الهاتف بعد قراءة مخطوطة إنجيل آدم: "يا علاء هذا شعر!" وإذا تفهمت عقدتنا كروائيين من الشعر، فيمكنك تخيل كم كان هذا المديح عظيمًا!

"أنا كاتب، فأنت معرّض لأن تكون مادة لعملي المقبل"... هذه المقولة التحذيرية من الكاتب للمحيطين به هل تؤمن بها؟ هل طبقتها في أي من أعمالك؟

- صحيح تمامًا، لكننا لا نكتب الحيوات كما هي، لدينا دائمًا مرشحنا الخاص. دعني أقل لك إنه حتى الصحافيون لا يكتبون الحياة كما هي: الحياة هي أولا ما فهمناه منها، والفهم شيء نسبي دائمًا.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم