إعلان

أحمد الخميسي يُمجّد بطولات الناس العاديين

المصدر: القاهرة- النهار العربي
يسري عبدالله
لوحة للفنان محمود سعيد
لوحة للفنان محمود سعيد
A+ A-

يُصدّر الكاتب المصري أحمد الخميسي كتابه "أبطال في صمت" (مطبوعات المنصورة، القاهرة) بعبارة شعرية دالة للشاعر الداغستاني الملهم رسول حمزاتوف: "نجوم كثيرة وقمر واحد... بلدان عديدة ووطن واحد"، متناصًا مع قصيدته الضافية التي يقول فيها: "نجوم كثيرة وقمر واحد/ نساء كثيرات وأم واحدة/ بلدان عديدة ووطن واحد". وفيها تلوح مفردات القمر، والأمّ، والوطن، وتشكل من تقاطعاتها جدارية بديعة عن معنى الجمال، والتضحية، والبطولة، بنعومة تطفر من عين رائقة تبحث عن غير العادي في العادي، عن ذلك التأثير الصامت الذي لا يعتمد على صخب الحوادث، أو جلبة الحياة وضجيجها، ولكنه يتكئ على تلك الأرواح الكبيرة وهي تفعل ما تراه "طبيعيًا"، بينما هو في جوهره فعلا مضيئا لا ينهض به سوى الحالمين بالمعنى.

 

تنويعة مغايرة

يمثل كتاب القاص أحمد الخميسي "أبطال في صمت" تنويعة مغايرة في معنى البطولة، ومرادها، تختلف عن الاحتفاء بالسائد والمألوف، حيث يقدم الكتاب وجوهًا لم تنل حظًّا من الذيوع، أو الانتشار، ولم تكن بطولاتها ضمن المطروق من معاني البطولة؛ من أولئك الذين "لم تلتقط العدسات صورهم، ولا سجلت أسماءهم، ولا حبات العرق وهي تلمع على جباههم".

لقد حظي مفهوما البطل، والبطولة، ومشتقاتهما بدرس واسع في الأدب، والنقد، والميثولوجيا، بل وفي العلوم الإنسانية برمتها، ومن مجمل الطيف الواسع لمدلول البطل في الأدبيات الفكرية المختلفة، برزت سمات متعددة حددت معنى البطولة أو دارت في رحاها المختلفة، حيث اقترن النبل بالشجاعة ونصاعة الموقف في التعبير الدلالي عن مفهوم البطل، الذي ارتدى أكثر من حُلة داخل المسارات والدروب الإنسانية المتشعبة، ورحلتها اللانهائية صوب استحضار فكرتي "المثل" و"النموذج" الملهمتين للوجدان العام.

 

 

بناء فني

يتشكل الكتاب من ٢١ فصلا، ويبدو كل فصل مقالاً نوعيًا عن أحد النماذج الدالة على بطولة ما داخل الكتاب الذي يوسع من مفهوم البطولة ليجعلها تضم أولئك العاديين، والعابربن الذين ربما نلتقي بهم كل يوم دون أن ننعم النظر فيما مررنا به، ومن ثم فالكتاب بدلالاته تلك إنما يسائل من طرف خفي محاولة تسييد نماذج مستقرة وكلاسيكية في التعبير عن مفهوم البطولة دون غيرها، فالشجاعة والقوة والنبل سمات أصيلة في كل روح كبيرة، محبة للحياة، والعالم.

سردية الانتماء

يضع الخميسي عنوانا كاشفا لفصله الأول "حتى ترابك يا مصر بطولة"، هكذا تبدأ الإشارات الأولى حول تجليات البطولة داخل الكتاب، وهي تعانق التراب المصري، وتعبر عن سردية الانتماء المتمترس داخل سيكولوجية المصريين، وينتهي الفصل الأخير "هي... هي لعبة" بالسردية ذاتها.

 ويبدأ الفصل الأول من مروية تاريخية، فيستعيد زمن المقاومة الاحتلال الانكليزي، والثورة البهية (١٩١٩)، والأجساد التي واجهت الرصاص، ولم ترض أن يسقط العلم المصري في التراب، فكلما سقط أمسك به شاب مصري ليسقط شهيدًا بعدها برصاصات المستعمر، ثم يثب الكاتب من الماضي إلى الحاضر ليعانق بطولة راهنة لأحد العاديين من أولئك الذين لم تتوقف عندهم مرويات التاريخ، فيحيلك على "طلعت سالم"، الذي كان يقف داخل محطة وقود قرب شاحنة وقود تحمل خمسة وأربعين طنًّا من البنزين، وفجأة اشتعلت الشاحنة  موشكة على تفجير المحطة والبيوت المجاورة، وحينها لم يفكر طلعت كثيرا، بل سارع إلى الشاحنة وقفز إليها، وقادها في اللهب إلى منطقة جبلية بعيدة ثم وثب منها، فأنقذ حياة المئات من الموت في مدينة العاشر من رمضان.

يبدو الكتاب قراءة موازية في تاريخ المصريين، يرتكز على الوعي بطبيعة الشعب المصري، وإدراك ما تمثله الروح المصرية وهي تقاوم القهر بالسخرية، من قبيل ما ورد في فصل "حمص أخضر" التوصيف الذي أطلقه المصريون على الأمير المملوكي قشتمر، وتذهب الفصول إلى ما هو أبعد من فكرة البطولة وتجلياتها حين تحاول تفكيك العقل الجمعي، وتقف مثلا عند محددات ثلاثة تسم الروح المصرية تتمثل في كونها روحا ساخرة ومتفائلة باستمرار، ولديها إيمان عميق وثقة مطلقة في كونها تحيا في "مصر المحروسة" اسمًا ورسمًا.

 

عناوين الفصول

وقد تتخذ عناوين الفصول دلالات استعارية من قبيل "حمص أخضر"، أو أسماء للأبطال المشار إليهم في الكتاب من قبيل "محمد أفندي رفع العلم" في إشارة إلى أول جندي مصري رفع العلم على الضفة الشرقية لقناة السويس "محمد أفندي العباسي"، في فصل اعتمد تكنيك الحوار الدرامي بين الجندي وقائده، أو نرى سردا شفيفا عن حياة الطبيب المصري النبيل في فصل "طبيب الغلابة محمد مشالي" الذي عالج آلاف الفقراء في عيادته في طنطا، أو فصل "محمد غنيم روح مصرية"، الذي يطل فيه الكاتب على الدور المحوري للطبيب المصري العالمي الدكتور محمد غنيم، مؤسس مركز علاج الكلى بالمنصورة، وقد تأخذ العناوين بعدا مجازيا رامزا من قبيل "حرفة المصريين" الذي يحيلك على جوهر الكتاب ممثلا في بطولات المهمشين، من قبيل الممرضات اللواتي كن مع مصابي الكورونا، وكل الطواقم الطبية التي قدمت الأمل والحياة في أزمنة الموت والكورونا.

وفي "طيور بيضاء" يعود الخميسي إلى رسول حمزاتوف من جديد مُصدرا الفصل بجملته الشعرية المتوهجة: "طارت مئات المراكب إلى نجوم الفضاء، لكني أقول لكم: أيها الناس، أيها الناس، أنتم نجوم السماء الفسيحة، وكم أتمنى لو أطير إليكم ولو مرة"، والنجوم الحقيقيون هنا أبطال خاضوا المعارك، وانتزعوا الانتصار المصري العربي المؤزر في أكتوبر ١٩٧٣، وما سبقه من بطولات لا تنسى في حرب الاستنزاف.

وقد يأخذ العنوان طابعا خبريا يعتمد تكنيك الإجمال الذي يعقبه التفصيل في متن الفصل ذاته، وهذا ما نراه في "لا بد للإنسان أن يكون جميلاً" الذي يحيلك على الكتاب المهم "مذكرات جندي مصري" للطبيب الشهيد أحمد حجي، حاكيا عن بطولات الجنود وبسالتهم، حيث يقترن الجمال بالتضحية، ويصبحان معنى كليا متماسكا.

 

الآخرون

وفي "فرحانة سلامة.. النار والعطر" نجد المرأة البدوية "فرحانة حسين سلامة"، وهي تواجه الاحتلال الإسرائيلي، وقد منحها الرئيس أنور السادات وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ونوط الجمهورية جراء ما قدمته ضد مقاومة الوجود الإسرائيلي في سيناء.

وفي (لوقا أحمد.. الخبز والسلاح) نصبح أمام المفردة المركزية في التلاحم الوطني بين أفراد الشعب المصري، حيث الجنديان المصريان  لوقا شكري، وأحمد يسري، وقد أصيبا وهما يواجهان معا الهجوم الإرهابي على كمين زغدان بشمال سيناء في أكتوبر 2016، يتماهى البطلان هنا ليصيرا معبرين عن المعنى المركزي في الثقافة الوطنية، حيث الكل في واحد.

وبعد.. لسنا هنا في "أبطال في صمت" أمام أبطال إغريقيين، تشكل الأسطورة ملامحهم، لكننا أمام وجوه من لحم ودم، لا يَقدُمون من الملاحم القديمة، ولكن من عصب الحياة، هم أبناء للضرورة الحياتية، وللحظة من لحظات المجد الإنساني، في كتاب يسعى إلى الحفاظ على الذاكرة الوطنية من المحو، عبر التدوين والإثبات، والانحياز الحر لكل ما هو وطني، وإنساني، ونبيل.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم