إعلان

لبنان "الأُمة": هل يكتَمِلُ تاريخُه؟

المصدر: بيروت- النهار العربي
هنري زغيب
عبدالله نعمان: الموسوعة المثلَّثة
عبدالله نعمان: الموسوعة المثلَّثة
A+ A-
بين القائلين بــ"الأُمة" العربية من محيطها إِلى الخليج والقائلين بـ"الأُمة" اللبنانية ضمن جغرافيا محدَّدة وديمغرافيا لا تحُدُّها وساعة، اختار الكاتبُ اللبناني عبدالله نعمان، من إِقامته الدائمة في باريس منذ 1974، أَن يُوَسِّع نِظْرته إِلى الأُمة من قلب التاريخ، وهو الأَوسع من كل جغرافيا وديمغرافيا.
 
من هنا إِنهاؤُه أَخيراً تدوينَ ملاحظات ومعلومات ووثائق ونصوص وخرائط سيزيدها قريباً على الطبعة الأُولى من موسوعته الثلاثية بالفرنسية "لبنان: تاريخُ أُمَّةٍ لم تكتَمِلْ"[1] (منشورات غْليفْ - پاريس 2144 صفحة قطعاً كبيراً في 3 مجلَّدات تضمُّها علبة مُقَوَّاة).
كتابه لا يعني قطُّ انفصاله عن العالم العربي، وهو فيه كاتبٌ ومؤَلِّف بالفرنسية والعربية، له دراسات مشرقية وعربية في عدد كبير من مصنَّفاته. غير أَنه هنا يعالج أَمر وطنه منذ فجر التاريخ الجليّ، راسماً له خارطة كرونولوجية بلغت دقتُها تفاصيلَ قيِّمةً تنير على نشأَة هذا الـ"لبنان" عبر العصور، وتَمَاوُجِ حقباته بين شرق وغرب، بين اغتراب وانتداب، بين احتلال واستقلال.

الموسوعة في عُلبتها المقوَّاة

 

السؤَال الصعب
جريْءٌ عبدالله نعمان: أَمِن يأْسٍ أَطلق غاضباً عنوان موسوعته؟ أَم برجائه باحثاً عن أَمل؟ هل عن إِحباطٍ أَمْ تَمَسُّكاً بالـرجاء؟
إِنها 2144 صفحة مكتنزة بنحو  945000 كلمة بين وقائع وأَسماء وتواريخ، صدَّرها بمقدمة وجدانية أَتبعها باستهلال ساطع يبحث في "تاريخ بلدٍ حديث جدّاً وقديم جدّاً، يتعذَّب لبلوغ النضج وسْط لغْطِ مؤَرخين مأْخوذين بمجدِ ماضيه، باحثين عن ظروف تكوينه، ملاحظين مأْزقَ جُذُوره في بيئته الجغرافية والجيوسياسية، راصدين تطوُّرَه المؤَسساتـيَّ ورُؤَى مستقبلٍ له لا يزال المراقبون الموضوعيون يرونه احتماليّاً وغيرَ مستقر".
 
لا يتهاون عبدالله نعمان: بعيداً عن شوڤينية المتغنِّـين فولكلوريّاً بلبنان القصائد والأَغاني والحكايات، يقف جازماً أَنَّ "لبنان مهدَّدٌ بـمجهول قاتم ينذر بفاجعة إِن لم يَعِ ذَوُوه شفيره المأْسوي". ولا ينبع موقفه من عاطفة مجانية بل من مراجعته في مئاتِ المراجع والمصادر وكتابات المؤَرِّخين والباحثين والرحَّالة والمستشرقين ثمارَ استنتاجاتهم وأَبحاثهم في هذا الـتأْريخ، ليَخلُصَ إِلى حزنٍ وانتفاضةٍ معاً، وهو يرى وطنه على قاب بُرهة من الخطر فيحوّل حزنه كتاباً وغضبه تحليلاً، ريثما يرى وطنه ينهض من كرسيّ الإِعاقة إِلى وِقْفة البقاء المتين.
 
ووطنيٌّ عبدالله نعمان: يريد للُبنانه أَن يكون ذاتَه لا نسخةً عن سواه أَو عمَّا يريد له سواه. ويجاهر: "تعمَّدتُ في كتابي موضوعية الأُسلوب فكشفتُ الكليشيهات السائدة، وفكَّكتُ الأَفكار الخاطئة، وبدَّدتُ متعارفاتٍ يطمئنُّ إِليها الطوباويون، وأَظهرتُ تعقيد الواقع وتداخلاته الشائكة وتراكباته الخطيرة".

الأَجزاء الثلاثة
بهذه الأَفكار جال في المجلد الأَول على "تشريح الجبل المقدس" فَأَسقط عنه حجُب الأَساطير ونقلَه إِلى واقعه المجرَّد من كل هوًى وانسياق، فاتحاً سجلَّ الفينيقيين على حقيقة منطلقاتهم ومنعرجاتهم ومغامراتهم، وصولاً إِلى انفتاح أَرض لبنان على الدخول العربي في أَبهى عصوره، وخُروجه من "القبائل اللبنانية" إِلى "التوسُّع العربي" والمسيحيين العرب، حتى أَمجاد بيزنطيا وهدْأَة أَهل السُنَّة الأَقوياء.
 
وبالأَفكار المنفتحة ذاتها عالج في مجلَّده الثاني "ولادة أُمَّة" ومراحلَها المتوترة بين "العروبة خشبة خلاص" والمناداة بـ"أُمَّة" لبنانية شكَّلت سوءَ تفاهمٍ تاريخياً بين "اللَبْنَنَة" و"العَوْرَبَة"، وصولاً إِلى استقلال لبنان، ونُشوء إِتنيات متخاصمة أَدَّى تَوَرُّمُها لاحقاً إِلى انفجارِ حربٍ شرسة أَطاحت بعنفها كلَّ التروّي.
 
ولا يرتدع عن المجاهرة في مجلَّده الثالث: هل العلمانية يوتوپيا لا تَتَحَقَّق؟ ويعالج ظاهرة الصعوبة بين جارٍ مرفوض وشقيق مفروض يضع البلاد على الحدِّ الخطير بين التكامُل والهيمنة. فكيف تنشأُ من ذلك هُوية توحِّد لا تفرِّق؟ وكيف يولد لبنان الجديد من قعر الهاوية؟ كيف الخلاص من مسيرة تَتَمَرحَل من حربٍ إِلى أُخرى؟ أَمِنَ الشرق يأْتي الحل؟ أَم من الغرب؟ وكيف اجتيازُ هذا الليل إِلى الفجر الجديد؟

 

عبدالله نعمان: كتابي رجاءٌ لبلادي


دولة "المقاطعجيين"
مغامرة شديدةُ الخطورة خاضها عبدالله نعمان بكتابته تاريخَ بلاده عارياً من المغْرَيات الطوباوية، واقفاً في الريح وطناً مُحيَّراً مشوَّشاً. تَناوله بالشكَّ الذي يريد بلوغ اليقين، معايناً تعقيد العلاقات بين طوائفه التأْسيسية، فاصلاً الأَساطير عن واقعه الأَساسي، مستنتجاً أَن المجتمع اللبناني مسجونٌ في نظامٍ سياسي موروث من موزاييك مقاطعات إِقطاعية يسوسها "مقاطعجيون" متفاهمون في ما بينهم، ممسكون بالحكْم كما إِلى الأَبد مؤَمِّنين لسلطتهم ديمومةَ رصيدٍ طائفي يحميهم ويحافظ على تسلُّطهم.
هل هذا الوعي يؤَدّي إِلى الخلاص؟ هل ينساق لبنان إِلى هاويةِ ما يَجري فيه اليوم؟ وسياسيُّوه، أُولئِك الـمـتـشـبِّثُون بالحكم في نظام طائفي وَرِثُوه ويُجهِضون به أَيَّ محاولةٍ علمانية جادّة، هل سيُتيحون انبثاق جيلٍ يبني دولة حـقٍّ ومساواة وعدالة تقوِّض دولة اليوم بفوضاها وهشاشتها؟

الثقة تعود
عند الفراغ من قراءتي هذا الكتاب الضخم تتخاصر تساؤُلاتي: ما الذي يرمي إِليه عبدالله نعمان في عنوانه الصادم "لبنان: تاريخ أُمَّةٍ لم تكتَمِل"؟
وأَعود إِلى ثقتي: يرمي إِلى أَملٍ نقيٍّ بـرؤْية وطنه ناصعاً من التبَعية والزبائنية والاستسلام والاستزلام، وطناً يستاهله أَبناؤُه، ويحترمه العالم نافضاً عنه قشور الحاضر الـمُوْحِل، ناهضاً إِلى قيامةٍ تُهـيِّئُ أَبناءَه لاستحقاقِ وطنٍ لا يَخجلون من الانتماء إِليه.


[1] Abdallah Naaman: Le Liban - Histoire d'une nation inachevée, Éditions Glyphe.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم