إعلان

كيف ينقُد محمّد الشحّات الأدب والثقافة "خارج المنهج"؟

المصدر: باريس- النهار العربي
أحمد المديني
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
A+ A-

معلوم أنه يرجع إلى ديكارت (1596ـ1650) طرح مسألة المنهج بفهم وضبط وتنظيم، في كتابه المعلمة "حديث المنهج" Le Discours de la méthode (1537)، وقد حدّده بناءً على أربعة مبادئ للمنطق ألزم بها نفسه في تفكيره وأبحاثه. انتبه إلى استعارة السبيل لسينيك Sénèque (4 ق م ـ 65 ب م): "أن تفكر بدون منهج، فكأنّك تقفز من عل وأنت لا تكف عن تغيير الاتجاه".

ذلك أن أصل منهج méthode من اليونانية methodos، وتعني السبيل.  لماذا يحتاج ديكارت إلى المنهج؟ لأنه في حاجة إلى الحقيقة ليقود حياته، هذا مصدر شكّه المهول. منذئذ لم يجادل أحد في هذا المنحى، ولا فِكر ينُجز ويُتوارث إلا وهو على نهج، وتتعدد طرائق تكوينه وأبحاثه، أي مناهجه، معلَنةً أو موصوفةً مستنبطة، حتى أصبحت وحدها مبحثاً مستقّلاً.

 

هذه البداهات يعيدنا إليها الدارس والناقد المصري محمد الشّحات في كتاب وضع له عنواناً إشكالياً ومربكاً حقاً "خارج المنهج ـ مقاربات ثقافية للأدب والثقافة" (الدار المصرية اللبنانية، 2022).

 

 يَحسُن التعريف بهذا الكتاب فهرسةً وتقسيماً ومحتويات. يستهله المؤلف أولاً بمقدمة نظرية طويلة يشرح فيها ويسوّغ عنوان عمله، ويستعرض فيها عديد مداخل نظرية للنقد الأدبي والثقافي، سنقف عندها لاحقاً. ثم ينقسم إلى قسمين: الأول ويتفرع إلى فصول صغرى: واحدها، يعنونه "ممارسات في نقد الثقافة" يحتوي على تسع مقالات تعالج مواضيع متفرقة بين السرد وفن الرحلة والترجمة وقضايا ظرفية، يُخضعها لتسلسل رقمي وضمن المفهوم العام لنقد الثقافة، منها مثلاً (سرديات الرعب الجمعي في زمن الأوبئة/ قارئ رحلات ابن بطوطة/ هل ثمّة أسلاف (عرب) للواقعية السحرية.

الثاني، المعنون "مقاربة الأدب ثقافياً" نفهم أنه مخصص حصراً لقراءة نصوص أدبية أغلبها سردية بين رواية وقصص، وواحد يُعنى بشعرية الفيتوري. نعطي مثالاً في: نصوص محمد المخزنجي، بحثاً عن واقعية جديدة؛ مجيد طوبيا: ملحمة التغريب وتمثيلات مدن الصمت.

في القسم الثالث وعنوانه "قراءة الثيمة، تأويل الثقافة"، يعالج كذلك نصوصاً أدبية سردية كسابقاتها وإن بمقاربة يريدها مغايرةً تحددها ثيمات: النوستاليجا، الحلم، الخوف، المرآة... نمثل لها بـ: نوستالجيا البداوة: ارتحال في المكان والزمان؛ غواية المرآة، فعل الانعكاس أم صنعة الأديب؟

 

وفي المختصر تجتمع المقاربات الثلاث في مثلث: نقد الثقافة/ قراءة الأدب ثقافياً/ قراءة الثيمة من منظور التأويل.

وهي تشغل عملياً نصف الكتاب، يليها القسم الثاني (من ص 231 إلى360) حاملاً عنواناً عاماً غير دال (هوامش ثقافية)، يتفرّع بدوره إلى "هوامش على نصوص أدبية" و"هوامش على نصوص نقدية".

 

 

أدوات ومناهج

نفهم أنها مقالات متفرقة كتبها المؤلف، ولا شك نشرها، هي وسابقاتها وإن لم يشر إلى أماكن وتواريخ نشرها مستعملاً فعل (أنجز) وهو تحصيل حاصل، ولا يضع القسم الثاني تحت أي تصنيف أو تخصيص نظري، مراجعة لدواوين وروايات وسرود مختلفة وكتب نقدية في الأدب والبلاغة انتهاءً بالفن التشكيلي فيصبح بمثابة (كشكول) بالمعنى المتداول في مصر.

لولا واجب مخاطبة القارئ أولاً، للزم البداية بقراءة فاحصة لعنوان الكتاب لمعرفة مواده وفهم مقاصد مؤلفه من وراء (منجز) قراءاته، وهل هو معنيّ بها أم بالأدوات والمناهج أم بـ(اللا منهج)؟

وهذا سيقودني اضطراراً إلى ما يسمى (نقد النقد)، إلى تطريس نقدي يتعذّر القيام به على الوجه الصحيح في المجال المتاح، لا بأس، لنعمل بقياس ما لا يدرك كلّه لا يترك جله. سبيلي الأول لهذا هو تفكيك العنوان على الشكل الآتي:

1ـ خارج vs عكسُه داخل.

2ـ منهج vs لا منهج.

3ـ مقاربة = نظر للتحليل ومعرفة الوجهة (للنص) vs قراءة كيفما اتفق، انطباع ما.

 4ـ ثقافة = بمعنيين العام، والخاص كما يحدده الدارس في شروح متفرقة ولدى تحليل النص vs خارج المعنيين معاً، وأي خطاب لا ثقافي.

 5ـ أدب vs غير الأدبي إبداعاً وخطاباً. حذراً يعلم الأستاذ الشحات أنه يمشي فوق أرض زلقة، فيتسلح بما يسمّيه (احترازات) لمواجهة من لا يستسيغ كيف يشتغل من يريد العمل بأدوات الناقد والدارس وموقعهما لكن بدون منهج أو خارجه، وإذا كان خارجه، ففي داخل ماذا ستوجد وتشتغل المقاربات.

 

نختصر احترازاته الأربعة:

1ـ أنه لا يهرب من المنهج ولا يخرج على تقاليد تاريخ النقد الأدبي.

2ـ ولا هو يتعالى على مناهج مستقرة في هذا المجال تقرأ بها الظواهر الثقافية يقع الأدب ضمنها، وإلا وقع في محذور الانطباعات والذائقة غير المدربة؛

3ـ ليس عنده علاقة طردية بين (خارج المنهج) و(ضد المنهج)، باعتبار أن هذا المنزع الأخير هو اللاّ منهج أو ذاك المسمى خطلاً المتكامل، الفوضوي جامع خليط.

4ـ وأخيراً، لا ترادف بين (ضد المنهج) و(ضد النظرية)، إذ لا بد له أن يستمد منها المفاهيم والمقولات والمرجعية الخ، اللهم أن يبتعد عنها بموقف يميل إليه يسميه (ما بعد حداثي) ونقيض للفكرة الثابتة (الدوغما). قلقاً ربما من احترازات يخشى أن تبقى مبهمة أو غير مقنعة، يعرّف عمله صراحة.

 

 

ما بعد الحداثة... والبنيويّة

"خارج المنهج" كتاب نقدي يقف موقفاً ما بعد حداثي أو موقفاً ما بعد بنيوي لمواجهة كل حرفية أو شكلانية منهجية... وهو "حوار متصل بين ذات الناقد وموضوعه الذي هو جزء منه، حوار بين العالم والنص والناقد" (30)، ليُفصِح أخيراً وبدون مواربة عن مفهوم وطبيعة منهجه الحقيقي الذي يسمه بـ"خارج المنهج"، وبهذا يعفي القارئ والناقد المحتمل لنقده من أي تأويل في غير محله أو قابل لسوء الفهم؛ لعمري ليس أبيَن للقصد من تسميته له "البينية أو عبر التخصصية interdisciplinary"، وزيادة في الاحتراز ولطرد سوء التفاهم يشرح موقع( بين بين) الذي يفيد حرفاً أنك لا هنا ولا هناك وبالفرنسية l’entre deux وبالإنكليزية between two   بأنه" لا يعني التعويم أو التعميم أو الأخذ من كل علم بنتف صغيرة(...) بقدر ما تعني طزاجة الطرح المعرفي(...) وتعني ثانياً جدة المقاربة (...) وتعني ثالثاً تعدد المنظورات دون تلفيق"(31).

وتتوج العبارة الأخيرة جهد التعريف والإقناع بوصف التعدد (خارجية المنهج) وقبل ذلك وصف الشحات نفسه وموقعه، أي الناقد كما يراه يستحق "مهمة وشرف الاسم" بأنه "قارئ ومفسر ومؤول من طراز طروادي [كذا]" (21).

 

وبالطبع، لا يعمل النقد والنقاد والنيّات، ولا برسم الاحترازات والخطاطات، منهجية ونقيضها، وإنما بالممارسة، بقراءة النص وتحليله وفهمه وتأويله بالأدوات والمفاهيم والمصطلحات المعتمَدة من لدن الناقد أو الدارس وفق منهج معين، وإلا "خارج المنهج" كما يُعرِّفه الشحات، فهل يتفق هذا وكيف؟

سنضطر إلى تجاوز سؤال يعضّ ذيله، جوابه موجود في المقاربات، تلك. في مقدمة الكتاب، وبصدده يستعرض المؤلف المناهج كلها والنظريات النقدية، الحديثة الحداثية اللصيقة بالنقد الثقافي وتطوره على الخصوص، وحيثما واتته الفرصة ينتقل استطراداً من منهج ومفهوم وتيار إلى آخر استيفاءً لتحليل أو بدونه مبرهناً على ثقافة مرجعية موسوعية ومحققاً إشباعاً لقارئ خالي الذهن منها ترشده دليلاً إلى المدارس النقدية الأدبية والثقافية، وتقدم له ترسانة من المصطلحات في الموضوع أو لمستقبل قراءته، يصرّ في كل مرة على التذكير بشيئين: أنه بصدد النقد الثقافي مهتدياً برؤيته وأعلامه (إ.هابرماس، إ. سعيد والغذامي) وهو غير النقد الأدبي أو بالأحرى مناطه ومراميه مختلفة. ثم إن منهجه (خارج) بعد حداثي.

 

عندي سؤالان، في خاتمة اطلاعي على هذا التأليف أعتبره إضافة معتبرة في حقل الدراسات والقراءات النظرية والنقدية العربية متفاعلة ومتثاقفة مع سابقاتها ومرجعياتها الغربية، وفي محاولة توظيفها لفحص نصوص إبداعية وأطروحات فكرية وأدبية.

أولهما، وارد باستمرار، أيّهما الأوجب: النظري أم تحليل نص في ضوئه، أم الأجدر يستنبتان من بعضهما البعض؟ ثانيهما: هل يمكن بجميع الاحترازات والمحاذير، هي مسبقة، الاشتغال النقدي (خارج المنهج) المفضي إلى مقاربة (بينية) ليست في نهاية المطاف غير أخذٍ من كل طرف بما يتلاءم مع نص بعينه، وإما اتخاذه مطية لطرح نظري؟

 

يتراوح كتاب الشحات بين معضلة وورطة هذين السؤالين وفي إطارهما يستثمر معرفته ويصنع مراسه ومرانه على النصوص، وهو يزوّدنا بدراية كشافة عنها هي ثمرة عشرة وخبرة طويلة بها. شأن محمود يضع المقاربة النقدية في ميزان سوي بلا رجحان كفة ويظهر معها مقام الناقد المتلقي بإيجاب الذي أحب أن أسميه القارئ المحترف، من يعيد إنتاج النص في ضوء فكر وهذا من ذاك، مهما اختلفت بعد ذلك مستويات المعالجة والمصطلحية والمنهجية وإلى أي مدى استجابت المقاربات، و(الهوامش).

 

أحسب أن النقد الأدبي العربي في حاجة إلى مثل هذه المؤلفات، إذ تخترق المستقر وهي تستشرف، شأن الإبداع المطروق، رؤى يحضر فيها الأدبُ بأنساق متعددة ومركبة، وقد فعل. بيد أن ما ظل يعزب عن النقد والناقد العربي منذ دخلنا عهد الأدب الحديث هو أن للنصوص والحركات الأدبية والمدارس الفكرية سياقات موضوعية كلية حيث ظهرت وتكونت وامتلأت بمعانيها، ويأتي هذا النقد/ الناقد فيجتزئها وينتقي بما يلائم رأياً وذوقاً.

 

النقد الأدبي والثقافي لا ينجزان بالانتقاء بل بالاستلهام والاستفادة من جميع المعارف ما خص ميدانه بالذات، يقوم فيه بالتمثل لا الإسقاط، وتبيئة المنهج والمفاهيم، وإلا أصبح مستشرقاً من داخل شأن عرب استشهد بهم المؤلف مثالاً مقتدى استهوتهم النظرية فوضعوها على نصوصٍ من سياق مختلف، وما أكثر ما ظهرت فضفاضة على جسد ضامر. لقد كان إدوار سعيد يفكر ويحلّل ضمن بنية الثقافة الأميركية وحداثتها، فيا ليتنا نعرف ضمن أي بنية نقرأ النصوص ونكون حداثيين أيضاً.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم