بيروت... عنقاء المدن العربية

المصدر: النهار العربي
سلمان زين الدين
الدمار في بيروت.(نبيل اسماعيل)
الدمار في بيروت.(نبيل اسماعيل)
A+ A-
 
جاء في التراث القصصي العربي أنّ العنقاء طائر جميل وقوي سُمّي بهذا الاسم لوجود طوق أبيض حول عنقه، وأنّه حين يريد أن يُولد من جديد يهاجر إلى فينيقيا، ويعتلي نخلة شامخة يبني عشّه عليها، وأنّه حين يحترق بالنار ويتحوّل إلى رماد، يولد من جديد.
 
هكذا هي بيروت، عبر التاريخ، عنقاء المدن العربية. تنهض من الرماد، تُولد من الموت، وتقوم  من تحت الردم، وتعود ستّ الدنيا، كما أرادها نزار قباني.

 

  قلّما عرف التاريخ مدينةً كبيروت في تعرّضها للنكبات، وفي مقاومتها لها. وإذا كان قَدَرُ  //////////المدينة أن تُصلَبَ بين مرحلة وأخرى، فإنّ إرادتها هي القيامة.
 
هي مدينة عصيَّةٌ على الموت، منذورة للحياة. على أنّ النكبات التي أخنت عليها تتراوح بين الطبيعي والبشري؛ بعضها من صنع الطبيعة كالزلازل والأوبئة، وبعضها ممّا جنته يد الإنسان كالحروب والتقصير والإهمال. ولا يكاد يمرّ قرنٌ أو بعض القرن حتى تحلّ على المدينة نكبةٌ واحدةٌ أو أكثر، وقد تجتمع عليها عدّة نكبات في القرن الواحد.
 
ومع هذا، تنهض بيروت من رمادها، وتحلّق من جديدٍ كطائر الفينيق. لا النكبات كفّت عن التعرّض لها، ولا بيروت تعبت من النهوض والتحليق، فاكتسبت مناعة المتنبّي في مقارعة الدهر، وتكسّرت نصاله على النصال:
            رماني الدهر بالأرزاء حتى             فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
            فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ              تكسّرت النصال على النصالِ

 

   - في بانوراما تاريخية سريعة، نشير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أنّ زلزالاً مدمّراً ضرب بيروت في العام 551 م من القرن السادس الميلادي، فأودى بأكثر من أربعين ألفاً من سكانها، ودمّر المدرسة الرومانية للحقوق، ولم تكدْ تمضِ بضع سنوات حتى قامت من تحت الردم، وأعادت بناء المدرسة في العام 554 م. 

 

  - في القرن العاشر الميلادي، احتلّها الأمبراطور البيزنطي يوحنا زيميس في العام 974 م، ودمّرها، وقتل قسماً من أهلها، غيرَ أنّها نهضت من جديد، واستعادت حريّتها وقدرتها على الحياة.

 

 - في القرن الثاني عشر الميلادي، حاصرها الصليبيون براًّ وبحراً في العام 1110 م، ولم يتمكّنوا من دخولها إلاّ بالحيلة والخديعة والوعود الكاذبة، حتى إذا ما فعلوا تنكّروا لوعودهم، وقلبوا لأهلها ظهر المجنّ، وأعملوا فيها القتل والتدمير. ومع هذا، يكون لها أن تنهض من جديد.

 

- في  القرن الثالث عشر الميلادي، يضربها زلزال في العام 1261 م، يُغرق العديد من الجزر البيروتية، ويفصل الصخور عن قواعدها، وتنشأ عن هذه النكبة صخرة الروشة التي تتحوّل مع الزمن إلى معلمٍ سياحي.

 

- في القرن الثامن عشر الميلادي، يضربها وباء الكوليرا في العام 1760 م، ويأتي علي المئات من أبنائها. ومع هذا ذهب الوباء  وبقيت المدينة.

 

- في القرن العشرين الميلادي، يقوم  الديوان العرفي الذي أنشأه جمال باشا في عاليه بالحكم  بالإعدام على العديد من رجالها المناضلين ضد الظلم العثماني، ويتمّ تنفيذ الأحكام في ساحة البرج، في العامين 1915 م و1916 م، ما يلقي بكلكله الثقيل على المدينة. فيكون أن تُحوّل هذه النكبة إلى عيدٍ للشهداء  كان يحتفل به اللبنانيون في السادس من أيار من كل عام.
 
وفي العام 1956 م من القرن نفسه، يضرب المدينة زلزال بقوّة 6 درجات على مقياس ريختر، فيهدّم ألوف المنازل، ويُودي بمئات المواطنين. غير أنّ البيارتة يبنون ما تهدّم، ويستأنفون الحياة.
 
وفي العام 1975 م من القرن نفسه، تندلع الحرب الأهلية اللبنانية، وتستمرّ خمسة عشر عاماً، تأتي على البشر والحجر. غير أنّ البشر يعيدون بناء الحجر بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وتنطلق ورشة الإعمار بقيادة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتستعيد المدينة بعض ألقها.

 

- في القرن الحادي والعشرين الميلادي، يضرب المدينة زلزال من نوع آخر، يودي بالرئيس الحريري وعدد كبير من المواطنين الأبرياء، وما نزال نعيش تردّدات هذا الزلزال، حتى اليوم. غير أنّ  حكم المحكمة الدولية المرتقب صدوره في 18 آب (أغسطس) الجاري، قد يشكّل بدايةً لوضع الأمور في نصابها، على طريق استعادة بيروت ولبنان الحياة الطبيعية.

 

  وتأتي نكبة الانفجار الكبير في مرفأ بيروت، بالأمس، وما تمخّض عنها من تدمير أحياء بكاملها، وتشريد مئات الآلاف، وسقوط ما ينوف عن المائة شهيد، وجرح آلاف الجرحى لتشكّل ثالثة الأثافي، وتلقي على العاصمة والوطن باثقال ينوءان بحملها.
 
وإذا كانت بعض وكالات الأنباء اعتبرت أن الانفجار هو الثالث في قوته بعد انفجاري هيروشيما وناكازاكي، فإنّ المفارق في هذا السياق أنّ الأخيرين حصلا بفعل عدوٍّ خارجيٍّ في إطار الحرب العالمية الثانية، بينما الأوّل يحصل بفعل عدوٍّ داخليٍّ، تتعدّد أسماؤه وتتراوح بين الجهل والتقصير والإهمال والاستهتار وانعدام المسؤولية...، ولعلّه أخطر من  العدوّ الخارجي بكثير.
 
غير أنّ السلاح الذي يُواجه به هذا العدو هو أيسر من ذاك الذي يواجه به الآخر وأهون سبيلا.  إنه بكلمة واحدة: المحاسبة. فهل تستخدم السلطة الحاكمة هذا السلاح إنصافاً للضحايا، وإحقاقاً للحق، وكرمى لبيروت.
 
إن ثقافة المساءلة تدخل في صلب إدارة الدول وبناء الأوطان. ولا بدّ من تعزيزها وممارستها إذا ما أردنا أن نخرج بوطننا من هذا النفق الطويل. ولا بدّ من محاسبة المقصّرين والمهملين والمستهترين واللامسؤولين مهما علا كعبهم، ففي القصاص حياة لأولي الألباب. بهذه الثقافة وحدها، تقوم بيروت من تحت الردم، وتنهض العنقاء من رمادها، وتفرد أجنحتها للريح. فهل نفعل؟

 

   وأنا على يقين أنّ بيروت ستعود ستّ الدنيا، وأنّ التاريخ سيعيد نفسه. 
 
الكلمات الدالة