إعلان

سمر مغربل تبني قوساً من نصرٍ متهالك

مهى سلطان
قوس النصر في المعرض
قوس النصر في المعرض
A+ A-
 
 

بعد مسار طويل شقته الفنانة سمر مغربل في استنطاق مادة الطين التي منحتها برغم محدوديتها كمادة أولية، طابعاً غير تقليدي، قادراً على التعبير عن أفكار ثورية واسئلة شائكة، لطالما احترفت الفنانة طرحها في معارضها ونتاجاتها واعمالها. ها هي اليوم بعد أنفجار المرفأ في الرابع من آب، تطرح فكرة "فن النصر" في معرضها  الذي تقيمه في غاليري صالح بركات (كليمنصو- حتى 16 كانون الثاني/ يناير المقبل)، إشعاراً بعودة الفن الى عروق الحياة الثقافية في بيروت بالرغم من الظروف الصعبة. إذ ان الرهان على انتصار الفن كمتراس لمواجهة عصر الانحطاط والتردي السياسي والاقتصادي، لا يعكس موقف الفنانة فحسب بل يجد اجماعاً يعكس قناعات غالبية المثقفين اللبنانيين.

ومن قلب هذا الاجماع يأتي المشروع النصبي الذي توّجت به الفنانة معرضها، وهو عبارة عن قوس متهالك من فرط ما تكتنفه الالتواءات والطيات والثنايا، يشكك بفكرة نهوض القوس المزعوم تاريخياً انه قوس النصر. وكأن كل انجازات الحضارات القديمة التي انصبّت على تشييد الشكل المثالي للقوس كمعلم تاريخي كي يليق بتخليد ذكرى انتصارات الأباطرة والملوك وطغاة العالم القديم، تتحول فجأة، في عصر الديكتاتوريات والانقسامات والسلب والقهر والظلم، الى مادة للتشكيك والسخرية والتهكم والابتذال.

 
جدران مثقوبة

بلا شك أن نتاج سمر مغربل يمثل بشكل نموذجي مآسي الحرب اللبنانية بكل تداعياتها ومآزقها وتعقيداتها، ومعها أخذ مسار الطين ينضج ويتحول من تشكيل هيئات الوجوه المعذبة الى الجدران المثقوبة بالرصاص انتقالاً الى السيارات المحروقة في زمن الاغتيالات، قبل أن تلتفت عميقاً الى مآل بيوت بيروت القديمة، بتراثها المعماري الذي يؤول الى التصدع والاهمال والقتل، ومن ثم لتستمد اشكالها التجريدية ايحاءاتها من قطع الخردة الصناعية للسيارات. وفي معرضها الحالي "فن النصر" لا بد من الاعتراف بأهمية توقّد هذه الفكرة الصادمة بالمعنى المفاهيمي، التي لا تنم عن لعب لفظي لعبارة قوس النصر بالفرنسية فحسب (Arc de Triomphe  انقلبت لتصبح  Art de Triomphe )، بل عن انتصار الفنانة نفسها على ذاتها في تحدي طاقات المادة من خلال تحقيق أول عمل نصبي ضخم، خلافاً للقطع ذات الاحجام الصغيرة التي تنفذها عادة في أفران معدّة لشَي الأواني الخزفية. انه انتصار للفكرة واشتقاقاتها، وانتصار شكلاني يحمل دلالات كثيرة، في استنطاق أزمات الواقع اللبناني بكل اعوجاجاته والتفافاته وتمويهاته.  فالمعرض قوامه انابيب متهالكة مثلنا وعلى صورة حالنا من التأزم والانهيار الشديد.

 

الفكرة كتصوّر ورؤية

"لبنان يدخل في نفق مظلم" عبارة اعتدنا أن نسمعها في توصيف قتامة المرحلة في القاموس السياسي اللبناني، ولكن أن يتحول النفق من فكرة رمزية- استعارية الى عمل مرئي، أي من الحياة السرية المغلقة والبائسة الى العلن، ذلك ما يتراءى في منجز سمر مغربل، الذي عملت على ايجاده عبر تمثيل الحالة النفقية الداخلية لواقعنا المعقّد، وتشخيصه على هيئة انابيب "مطعجة" مطلية احياناً بلون الصدأ الأحمر، واحياناً بألوان طبقات التكلس الصفراء التي تتكون كقشرة على ظاهرها بفعل الاستهلاك والاهمال وعوامل الزمن، مما يشير بأنها اضحت خارجة عن نطاق الاستعمال وعاجزة عن أداء وظائفها الحياتية. هذا المنطق "ما بعد الدادائي" في التعامل مع مظاهر الأشياء المُستهلكة تعمل عليه سمر تقنياً للإيحاء بحيوية الجسم الطيني وقوامه التكويني بمحمولاته البصرية ودلالاته الانسانية في استحضار الوعي عن طريق الصدمة.   

تكشف الفنانة في الفيلم الوثائقي، الذي أعدتّه لمعرضها عن طريقة قولبة الانابيب التي تبدأ برقائق الطين المأخوذ من الطبيعة، تبسطها كصفحة من صفحات الحياة، ثم تبدأ بطيها على اوتاد تجعل تلك الصفحات اشبه بخراطيم ذات التواءات ومسارب متاهية، كما لو انها تبحث عن لغة تعكس مضامين أسى الروح من خلال ليونة الالتواء "الالتواء من فواجع الألم".إلا ان عميلة تليين السطح الصلب بمطوياته تحيل الى نوع من الدينامية الغرافيكية والتوتر البعيدين عن حال السكون والمطلق في قوس الدائرة.

 
قوس وتقوّس

لا نتحدث في أعمال سمر عن قوس، بل عن تقوّس غير كامل وتشوّه مُفتعلين، للتعبير عن حالة فراغية- انبوبية- عدمية، غير مستوية تتعايش مع الشكل المجوف الذي وصفه كاندنسكي بأنه يعكس "الذبذبات الباطنية في تحويل الالتواءات العشوائية الى نظام ابتكاري". فالشكل المجوف لا يحمل أي معنى سوى انه أنبوب يحاكي الأشياء الشائعة الخاصة بالاستعمال اليومي، والمفروض في هذا الشكل "اللا فني" أصلاً، إعطاء تأثيرات فنية غير اعتيادية كتعبير عن اغوار المسالك المغلقة بلا أمل من النجاة، كشيء دفين مجهول في جوهره وحقيقي في مظهره، أي ان الشكل لا يحمل أي معنى وانما الناظر اليه يعطيه المعنى الذي يريد. والعمل في اصله لا يحمل فكرة نهائية بل يفتح باب التأويل امام احتمال ان يكون لهذه الالتواءات معنى متصل بالأمعاء البشرية او التلافيف الدماغية، وبمجرد التنحي عن فكرة القوس فإن التصورات تتشعب لكي ترتمي الفكرة المجردة في التجريد- العضوي، اي تفاصيل مورفولوجيا الجسد الانساني وعالمه المغلق. هكذا تتعالق الفكرة في تشابكاتها البصرية بين الرائي والمرئي.

ثمة ظاهر وباطن، دعابة على صورة دمعة، إنه اللغز الكامن في جسد الالتواءات التي ترتمي داخل طيات رخوية تنسحب الى باطن الاشياء وعالمها المغلق، حيث الخارج والداخل يتجليان كمظاهر لكآبة متهاوية لا معنى لها ولا دور. لعلها أنفاق الزمن الزائل وإشاراته التي تتلوى من الاختناق، أو ربما جسم متورم يتلوى في نتوءاته الرتيبة، كأنه الجسد المريض المقبل على المجهول.

 
الكلمات الدالة