إعلان

نظرة أميركا إلى العالم وسقوط ​معرضها الدولي للكتاب

المصدر: ناصر جرّوس
الشارقة في بوك-اكسبو أميركا
الشارقة في بوك-اكسبو أميركا
A+ A-
في صيف العام 2005 اتصل بي تلفونياً مدير معرض أميركا للكتاب جيم فاما وسألني إن كنت  أوافق على أن أكون ممثلاً للمعرض في الشرق الاوسط. أجبته بأنني ساطّلع على نشاطات المعرض، وأعود إليه. عدنا واتفقنا أن نجتمع في معرض فرانكفورت للكتاب في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه. وبالفعل، تمّ الاجتماع في فرانكفورت. وقد حضرته أيضاً مسؤولة العلاقات الدولية في معرض لندن للكتاب ايما هاوس، باعتبار أن شركة REED Exhibitions هي المنظّمة للمعرضين. وقد طلبت مني، حينها، أن أكون ممثلاً لمعرض لندن أيضاً. كنت صريحاً معهما. ذلك أن العالم العربي بحاجة للانفتاح على حركة النشر الدولية، وإلى الخبرة الدولية أيضاً. وأضفت: "إذا كان التعاون سيكون مبنيّاً على هذا الأساس، فأنا مستعد للتعاون".
 

كان الاجتماع مناسبة للتحدث عن استضافة العالم العربي ضيف شرف في معرض فرانكفورت، والفائدة التي نتجت منه لجهة الانفتاح والتعاون المهني. وما قلته في هذه المناسبة: "أتمنّى أن نكمل الطريق معكم، للمزيد من التعاون وللاستفادة من خبراتكم، وفتح المجال لكم لدخول العالم العربي، وخدمة حركة النشر في بلادكما. بخاصة، إننا في عصر العولمة والتعاون والانفتاح على ثقافاتنا المختلفة. ومن المهم أن يكون باب التعاون مفتوحاً على مصراعيه في هذا المجال".

 

بدأنا التعاون على هذا الأساس. وبالفعل، منذ البداية، لحظتُ جدّية كبيرة من خلال الحوار مع السيدة ايما هاوس وقد تشاورت مع المجلس الثقافي البريطاني، وأطلعتهم على مخططي في التعاون. فأبدوا الموافقة على ذلك. وعليه، وجّهت دعوة إلى السيدة هاوس، وإلى المسؤولة في المعهد الثقافي البريطاني لزيارة بيروت، والاطّلاع على حركة النشر، وأفق التعاون مع العالم العربي. وكانت السيدة سوزان جونسون التي حضرت مع  هاوس إلى بيروت. وعلى أثر هذه الزيارة، وافق المجلس الثقافي البريطاني على تنظيم برنامج للأدب العربي لمدة 3 سنوات، تمّ فيها دعوة  ناشرين وكتّاب عرب إلى لندن، ودعوة كتّاب وناشرين بريطانيين إلى القاهرة. وتُوِّج هذا البرنامج باستضافة العالم العربي ضيف شرف في معرض لندن في العام 2008. وكان أن فتحت هذه المبادرة الطريق إلى تعاون واسع بين بريطانيا والعالم العربي، وما زالت آثاره الإيجابية إلى اليوم، وهي في تطوّر مستمر.

 

بعد نجاح التجربة بين العالم العربي وبريطانيا، توجّه نظري إلى معرض أميركا للكتاب؛ وكان لانس فرسترمان قد أصبح مديراً له. فكتبت إليه ألفت نظره إلى وجوب الاهتمام بالمشاركة العربية في المؤتمر، من خلال تقديم الخبرة للناشرين العرب، وفتح مجالات التعاون بينهم وبين الناشرين الأميركيين. واقترحت  في الرسالة العمل على استضافة العالم العربي ضيف شرف في معرض أميركا. وبالفعل تمّ الأمر من خلال تنظيم الحدث في العام 2009. ولكن رغم اهتمام إدارة معرض أميركا بالمناسبة لانجاحها، إلا أنها لم تستطع أن تلعب الدور الذي لعبته إدارة معرض لندن (وسبقها إليه في شكل أكبر معرض فرانكفورت)، واهتمامها المهني والثقافي بالناشرين العرب، وبسوق الكتاب العربي، رغم أن ثمة شركة واحدة تنظّم المعرضين. ذلك أن القيّمين على معرض لندن، ومن خلال تجربتي الشخصية، استطاعوا بناء علاقات مهنية وشخصية حميمة مع العالم العربي، ما زالت تتطور حتى تاريخه. وقد أفادت هذه العلاقات الطرف العربي مهنيّاً وأفادت قطاع النشر البريطاني تجارياً.

 

في المقابل، لم تؤدِّ استضافة العالم العربي في نيويورك أي نتائج إيجابية. وذلك لأنه لم يكن هناك من يهتم بالحضور العربي، وبتطوير العلاقات المهنية والتجارية معه. وقد ظهر الأمر وكأنّ المطلوب فقط هو تأمين مشاركة عربية من دون أي مساعدة، وخصوصاً في مجال التجارب والخبرات. قد يكون هذا هو الهدف الرئيسي للمعرض عند تأسيسه. وقد يكون هناك من سعى إلى تغيير مسار معرض أميركا للكتاب. وهو المعرض الذي كان أساس انطلاقته جمعية المكتبات الأميركية التي أرادته معرضاً تجارياً داخلياً محضاً، من دون أي تطلعات دولية، وقد يكون مَن تعاقبَ على إدارته من الذين رافقتهم، وهم  جيم فاما ولانس فرسترمان و ستيفن روزاتو، وأخيراً جنيفر مارتن قد حاولوا التركيز على الجانب الدولي، بعدما لاحظوا ان العالم تغير وأن الثقافات انفتحت على بعضها، ولكنهم لم يجدوا  من يدعم توجهاتهم في الادارة التنفيذية. فتراجع دور المعرض، إما بسبب انسحاب دور النشر الكبيرة من المشاركة فيه، أو بسبب المشاركة الخجولة من بعضها، لعدم الفائدة من تكبّد المصاريف الباهظة من دون فائدة تُرجى. وجاءت جائحة كورونا لتقضي على ما تبقّى من موجبات بقاء المعرض. فتم الإعلان عن إلغائه في المدى المنظور، على أمل إيجاد صيغة جديدة لإعادة انطلاقه  في المستقبل.

 

إن تجربتنا العربية، وبعدما انطلقت بقوة في العام 2008، وبعدما شعر الناشرون العرب بأن لا فائدة تُرجى، بدأوا بالامتناع عن المشاركة منذ العام 2014. انسحبوا، ولم يبقَ الا مشاركة عربية واحدة هي الشارقة.

 

الكلمات الدالة