إعلان

معرض الفنان المغربي فريد بلكاهية في مركز جورج بومبيدو في باريس

المصدر: بيروت- النهار العربي
مهى سلطان
فريد بلكاهية
فريد بلكاهية
A+ A-

 

خصّص مركز جورج بومبيدو في باريس معرضًا تكريميًا لأحد مؤسسي الحداثة الفنية المغربية والعربية فريد بلكاهية (1934-2014)، بعنوان "الحداثة الأخرى".

 يستعيد المعرض، الذي افتتح في 10 شباط/ فبراير ويستمر حتى 21 حزيران/ يونيو، حقبتين أساسيتين من انتاج بلكاهية الفني، بدءاً من عام 1959 الى حين عودته إلى الدار البيضاء عام 1962، تم ادراجهما تحت عنوانين هما: "فترة المديح" و"الفترة التعبيرية"، على أنهما المرحلة التأسيسة وهي تضم لوحات ونحاسيات، تتوزع على غاليري فنون الغرافيك ومعرض المتحف في مركز بومبيدو.

 وينتهي مسار المعرض بمجموعة من الأعمال المصنوعة من جلد الماعز التي تجمع بين الثقافة الطليعية والتقليدية. علماً على أن المساهمات والقروض السخية من متحف الدوحة ومؤسسة فريد بلكاهية في مراكش، جعلت من الممكن تقديم مجموعة كبيرة من الأعمال للجمهور وتسليط الضوء على أحد المؤسسين الكبار للحداثة العربية.

يعطي المعرض مكانة مهمة للأعمال الورقية، على اعتبار أنّها نوع من الممارسة اليومية التي تُبرز طاقات العمل نفسه بإمكاناته الخاصة، وتعكس مزاج الفنان وهو يستسلم للذة الابداع الخالصة. غير أن اعمال فريد بلكاهية على الجلد تحتل المكانة الأساسية كتلك التي تبوأتها في تاريخ الفن طوال العقود الماضية.

 هكذا يواصل مركز بومبيدو تعاونه في العمل الكتابي المستمر لتاريخ الحداثات غير الغربية. علماً على ان المتحف الوطني للفن الحديث في مركز بومبيدوMnam  (أحد أعرق مؤسسات المتاحف في العالم)، قام باقتناء عمل رسمه بلكاهية تكريماً للفيلسوف الفرنسي الكبيرغاستون باشيلارد.

جاءت هذه الخطوة على ضوء العلاقات المميّزة بين المغرب وفرنسا، ووفق استراتيجية تعمل على تمثيل الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط ، بخصوصياته الثقافية، المتمثلة بأحد رواد الحداثة في المغرب وبشكل اوسع في الشمال- الأفريقي، لما تحمله اعماله من آثار التعددية في اروع تجلياتها.

فريد بلكاهية المرحلة التعبيرية- نقش بارز على الجص

 

 

محطات محورية من حياته واعماله

في عام 1959 ، أدرك فريد بلكاهية أنه لن يكون رسامًا مغربيًا من "مدرسة باريس الثانية" مهما اجتهد. لذلك قرر مغادرة فرنسا التي كانت مقر دراسته الفنية (من 1955 إلى 1959)، متوجهاً إلى براغ لدراسة السينوغرافيا حيث اكتشف ولعه الدفين بالمسرح وعالم التصميم. هناك وجد أن التعبيرية التي كان يبتغيها تتخلص مما لا يزال ينتمي إلى تقليد التصوير الغربي، وفي براغ أخذت أولى روائع بلكاهية ترى النور.

يبدأ الجزء الثاني من المعرض عام 1962، عندما عاد بلكاهية إلى المغرب وتولى مسؤولية مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء، التي خلق من خلالها دينامية رسمت معالم البحث التشكيلي في المغرب، وسيُغير منهج التدريس جذرياً من خلال السعي لإعادة ربط الحداثة الفنية التي وضعتها النظرة الاستعمارية بالتقاليد الشعبية والحِرف اليدوية القديمة، دون الوقوع في الممارسات الفولكلورية الضئيلة. خلال هذه الفترة ولدت حركة "مدرسة الدار البيضاء"، التي يعتبر فريد بلكاهية أحد أبطالها، والتي تزعمت أحد المظاهر الأساسية لحداثة ما بعد الاستعمار.

في عام 1963 ، أعطى فريد بلكاهية عمله نقلةً نوعية حاسمةً باعتماد النحاس، لعل جاء ذلك من قبيل المصادفة حين تعرف على احد العمال في مشغل للنحاس قريب من مقر اقامته. يؤكد هذا الاختيار انفصاله عن الرسم الغربي قوله: "لقد اخترت عمداً خامة تندرج عميقاً في التقليد الحِرَفي للمغرب" فكان للنقش على النحاس والعلاقة بين الغائر والناتىء اثراً كبيراً على تطور التصوير الشخوصي نحو التجريد. وفي العام ذاته رسم بلكاهية لأول مرة غابة وبدأ بعدها يتردّد على رسم الأشجار، وبدلاً من أن تكون ثابتة فإن شجرة الرسام أصبحت أداة للتخييل والتشّكل، مرة مثلثة أو على شكل رمح أو مربعة أو مصلوبة، أما الشجرة المستديرة فقد تكرّرت لديه، كأنها باتت بالنسبة إليه ثيمة فلسفية وشعرية وتشكيلية أساسية في مشروعه. في عام 1975، عندما ترك إدارة مدرسة الفنون الجميلة، عمل بلكاهية على تجذير عمله في التقليد الحِرَفي، مستبدلاً النحاس بجلد الماعز.

 

فريد بلكاهيه نقش بارز وحفر على النحاس 1971

 

رمزية الجلد- فتنة الجسد

كان بلكاهية من بين ثلّة الفنانين المغاربة أكثرعرضة للشغف بعالم الرموز، وقلائل الذين ابتكروه على غراره، تلك الرموز التي وجدت مقرها على جلد قريب من جلد الكائن نفسه، الكائن بقَدريته وهواجسه وتخيلاته. لعل اللجوء الى مادة الجلد هو للإقتراب أكثر من عالم الأحياء أو البشر، من خلال إبدال جلد الانسان بجلد الماعز وهو إبدال فانتازيّ جريء، يتوافق مع الايحاء بالأعضاء الانسانية التي يعرّيها بقدر ما يرمز اليها.

هذا الجلد الذي يُشدّ ويُثبت على الخشب، ليزاوج شكل الحامل التصويري، كان من شأنه أن فكك منذ البداية المساحة التقليدية للمسند التشكيلي وكسر كل قواعد الإطار الجاهز للوحة. أما الاصباغ اللونية المستخرجة من مواد طبيعية (الحنّة والزعفران ولحاء الرمان والكوبالت...).

فهي تمتزج على الجلد كي تبعث فيه الحياة. إنها حياة الجسد الموصوف بالشهوانية والرغبة. من رونق الأزرق والترابي، الى أحمر الحنّة والكستنائي والأسود، عالج بلكاهية هذه الالوان على مساحات مسطحة محاطة بخط رفيع على طريقة الخطوط والزخارف المغاربية.

مع هذه المسارات يظهر الجلد مطعماً بالزخارف موشوماً بها وبتنوعاتها الهندسية اللامتناهية (أسهم ورقع شطرنجية وتقاطعات دائرية وأقواس ودوامات). أمّا رقع الجلد فتحتفظ بحلتها التصميمية التي كان يضعها الفنان إما وفق شكل دائري او مثلث او أي شكل هندسي، المهم ألاّ يراعي السيمترية (التقابل)، ذلك ما يؤسس لجمالية خاصة ناتجة عن خرق الشكل نفسه. في أواخر الثمانينات اخذت إشاراته وأشكاله تغتني من خلال رسم موتيفات من الكتابة البربرية ( Le Tifinar).

متنقلاً من التشخيص الى رمزية الشخوصية بعيداً من التطابق، يصف الفنان مساره: "عملي هو تكملة لكينونتي"، مشيراً الى انغماسه الذاتي والخلاق بالإنسان.

لقد شغله الانسان عموماً سواءً في لوحاته أو في نقوشه البارزة على النحاس، ولئن ابتعد في الايحاء والترميز فذلك لكي يأخذ الفن أكثر فأكثر صوب الحواس ليؤسس ذائقة بصرية جديدة. وبلكاهية المثقف والنزواتي الحارّ والرسام والمصمّم يجيء دوماً كساحر، يستنبط ويحوّر كل ما هو مرئي ومحسوس، وقوة السحر لدريه تكمن في هذا التحوير الباعث على الحيوية والتدفق. ومن خلال البعد التقسيمي لسطح اللوحة يستدعي الفنان المادة والواقع واللامرئي في آن واحد. وما حقيقة الرسم إلا في هذه النزعة التي يتكشّف فيها العالم من خلال بصمات الحركة وأثرها على الأشكال والألوان وهي تكتب رموز الجسد وتمثّله. إنها لغة تبتعد عن المباشر لتكشف غالباً عن أعضاء الجسد الأنثوي (تكورات النهود والأرداف وتقاطعات عضوية حميمة) التي يصوّرها الفنان وفق رؤية تشكيلية يلتحم فيها الجلد والخشب (والنحاس في بعض الاعمال) لتبدو مليئة بالتكوينات الايروسية، حيث تنصهر التيمة مع رموزها وتذوب الملامح بعضها ببعض على سطح متموج بالانحناءات اللينة التي لطالما ميزت اسلوب بلكاهية.

امرأة- رسم على الجلد1980

 

عاشق أصيلة

ساهم بلكاهية بفعالية مع نخبة من فناني جيله في ولادة موسم أصيلة الثقافي رافقه في امتداده واستمراره. وفي عام 1978 كانت مساهمته في الجداريات الأولى التي زينّت أصيلة، فضلاً عن مساهمته النشيطة في أول مشغل للحفر، عرف توالي فنانين ذوي شهرة عالمية، كما كان أول فنان مغربي يهدي أصيلة تصميماً شخصياً لأرضية ساحة الشاعر ليوبولد سنغور. "كان فريد بلكاهية يكنّ لأصيلة عشقاً لا ينمحي" بحسب تعبير الناقد فريد الزاهي، وظل بلكاهية وفياً لها، هو الوفاء الذي سيترجمه باقتناء بيت له بأصيلة، حيث كان يعيش أجواء المدينة ويجدد اللقاء بها كموئل ثقافي بلا مثيل.

لم يكف بلكاهية عن النضال من أجل فن مغربي وعربي موسوم بثقافته وتراثه وهويته، وهو المثقف الضليع والقلق والنزواتيّ.  كان مسيره الفني استكشافاً لا يكلّ، للمادة ودلالاتها المختلفة، المادية والروحية والإنسانية. لذا ظل يحتفي طوال حياته بثقافته وتراثه. ومعرض مركز جورج بومبيدو يؤكد على الحس الاستشرافي الذي يمتلكه فن بلكاهية في اطلالته على فنون المعاصرة،  لذا كرّسه واحداً من اعلام الفنون البصرية في إفريقيا والعالم العربي.

 
من أعماله في المرحلة الأخيرة
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم