بيروت مطعونة بفنها التشكيلي... في القلب والمكان والذاكرة

المصدر: بيروت - مهى سلطان
منحوتة صامدة بين الدمار الذي عاث بقصر الليدي كوكرين الأثري (نبيل اسماعيل)
منحوتة صامدة بين الدمار الذي عاث بقصر الليدي كوكرين الأثري (نبيل اسماعيل)
A+ A-
ليس أدعى للحزن من رؤية الخراب الهائل الذي ألمّ ببيروت جراء تفجير 4 آب (أغسطس) الماضي. لم تبقَ لدينا دموع لنذرفها وليس من متسع لهامش الحياة إلا ما يبقينا على علاقة بماضينا وذاكرتنا المهشمة بالثقوب التي لم تبرأ بعد من مصائب الحرب اللبنانية.

 

"المهم أن نعيش" كلمات أوجزت بها نايلا كتانة صاحبة غاليري "تانيت" في شارع مار مخايل، بعد صمت طويل، تعليقاً على الخسارة الكبرى التي مُنيت بها إثر رحيل المهندس المعماري الفرنسي جان مارك بونفيس الذي صمم بأسلوب استثنائي لافت مبنى ايست فيلدج وكذلك غاليري "تانيت" اللذين دمّرا بشكل كامل. 

وكان بونفيس حينها يوثق بكاميرته لحظات الانفجار الأول في المرفأ واندلاع الدخان قبل حدوث الانفجار الثاني الذي أودى بحياته واقتلعه من مكانه كما اقتلع غالبية الضحايا الذين يقطنون في شارع مار مخايل. 


فدمار "تانيت" بكل ما تمثله من إشراقات حضور فني محلي- دولي، مفتوحة للعرب والأجانب، هي خسارة كبرى تضاف الى خسارة الفنان عبد قادري الذي دَفن حقاً معرضه "رفات آخر وردة" من ورود حديقة الفن تحت الركام.  


لوعة الموت والفقد 
لا إنه ليس حادثاً عابراً (كما جاء في توصيف الخطاب الرسمي). إنه أكثر من زلزال إنه هيروشيما بيروت أو "يوم القيامة اللبناني" أسوة بعنوان ديوان الشاعرة إيتل عدنان "يوم القيامة العربي". 


لم يكن جان مارك بونفيس وحده الذي قضى في هذا الانفجار من أهل الثقافة والفن، كما تؤكد جومانا رزق صاحبة الباع الطويلة في عالم الميديا مع الغاليريات.

 الشابة الجميلة غايا ابنة آني وآرار فودوليان والتي كانت تستقبلك في غاليري "ليتيسيا"  الحمرا، وهي كانت تديرها مع والدتها وقضت بالتفجير. 
 

كما قضى الشاب فراس الدحويش متأثراً بجروحه بعدما أصيب برأسه لحظة التفجير في محلة الرينغ وهو عائد من شغله في غاليري أجيال وصالح بركات في شارع كليمنصو. فراس كان صديق الفنانين ورواد الفن التشكيلي في بيروت، كان "دينامو الغاليري" كما يلقبونه.


كثر هم الناجون بأعجوبة من أعاجيب الله وملائكته الحارسة. وكثر الذين اقتلعت عيونهم بعد نزف طويل من تناثر قطع الزجاج وكثر الذين قذفتهم حمم التفجير الى قعر المياه وغرقوا في النسيان. 


كثر الذين رأوا الغيمة الحمراء التي ملأت فضاء بيروت بالتأويلات والنذر، عن طبيعة المواد المتفجرة التي كانت موضوعة في العنبر الرقم 12 هذا الرقم السري المكتوم عنه في دهاليز السلطة. 


لقد رأينا إذ رأينا الدخان السام الذي ارتفع بقوة هائلة في سماء العاصمة على هيئة إعصار شبيه بحبة فطر عملاقة، حاملة الموت والدمار والحرائق والرعب الذي سكن قلوب أهل بيروت وامتداداً الى القرى والبلدات المجاروة، ووصل صداها عبر البحر الى خارج المياه الإقليمية لبيروت.


 التائهون وجروحهم... والموتى الذين قضوا نحبهم بلا ذنب، والعجائز الذين أمسوا بلا بيوت على قارعة الطريق، وصراخ الغاضبين ولوعة أهالي المفقودين خصوصاً بعد انقطاع الأمل في العثور على نسمة حياة تدب في أوصال من هم تحت الأنقاض. 


أفرز الانفجار نمطاً من الجسد الناقص المشوّه والذاكرة المشوهة ونوعاً من الدمار في العمائر التي أضحت هي الأخرى معوّقة بعدما كانت مسكونة بالفرح والزغاريد. 


ليس أدعى للحزن من رؤية الخسائر الهائلة التي أصيبت بها منطقة المرفأ حيث تدمرت الغاليري التي تحمل اسم رئة بيروت "Marfa" المخصصة للفن المعاصر. 
 

 

كما تزعزت قاعات العرض في غاليري "صفير زملر" في الكرنتينا التي كانت تتبدى كموئل لرواد الفن المعاصر في لبنان والعالم (ايتل عدنان، خليل رباح، مروان رشماوي، منيرة الصلح، ايطو براده، وسواهم)، التي ظلت تعمل حتى أثناء فترة انتشار الكورونا من خلال أحاديث ومحاضرات من بُعد (آخرها محاضرة ربيع مروة).
 
لم يعد شارع الجميّزة مقصداً لعشاق السهر والفن في بيروت، بل عادت أشباح الحرب وظلالها الكاسرة لتخيم على مقاهيها ومطاعمها وغاليرياتها الصغيرة المنتشرة على جانبي الطريق على الطريقة الباريسية. لقد أصيبت بيوت الفن بالعمق وتلقت الأقدار نفسها ونالت نصيبها من الدمار الذي طاول مجمل صالات العرض فيها (Art 56 وغاليري فادي مغبغب وArt Gallery  ومحترف النحات رافي توكاتليان وغيرها...).


 ذلك فضلاً عن الأضرار المادية التي تعرضت لها "المؤسسة العربية للصورة" التي تتمركز في امتداد شارع غورو، كنقطة حيوية للقاء الحنين الذي يجمع الماضي بالحاضر عبر الصورة الفوتوغرافية.
 
صدمة نهاية العالم 
بيروت التي لطالما كانت "بيتاً بمنازل كثيرة" كما يقول المؤرّخ اللبناني كمال صليبي، أصبحت وحيدة بلا مأوى. كأن قدرُنا أن نحيا حتى الرعب، قدرنا أن تكون ثقافتنا ثقافة التصدّع والحرب والخراب... 


فجأة انتقلنا من الواقع إلى الخيال بل الى صدمة نهاية العالم. فالدمار الذي لحق ببيوت ومؤسسات عدة وسط بيروت مخيف وموجع ومرعب.


 ومن الوسط إلى شارع الجميزة الذي كان قد صُنّف شارعاً تراثياً بامتياز، وامتداداً الى منطقة مار مخايل المقابلة للمرفأ المطل على المتوسط كأهم وأجمل معلم من معالم بيروت، ثم صعوداً نحو الأشرفية التي أصيبت بنكبات، بعدما فَقَد سكانها بغالبيتهم بيوتهم وأرزاقهم. 


رغم الشدّة والألم هتف لي الشاعر عقل العوّيط وهو من كتّاب جريدة "النهار" يقول: "الحمد لله أنا بخير" وكذلك الأصدقاء منهم ندين بكداش (صاحبة غاليري جانين ربيز) وأمل طرابلسي (صاحبة غاليري ايبروف دارتيست) التي تضرر منزلها ومنازل أولادها، وأوديل مظلوم صاحبة غاليري "ألوان" التي فقدت منزلها وباقة ألوانها في الغاليري التي تلاشت في الحطام في منطقة الصيفي فيليدج في وسط بيروت، حيث تتواجد ايضاً بعض الغاليريات منها غاليري "مارك هاشم" و"عايدة شرفان"و"روشان".


 بقيت غاليري "Exode" صامدة رغم الأضرار التي أصابتها وكذلك "أليس مغبغب" في الأشرفية التي تستضيف عادة عدا اللبنانيين الفنانين الأجانب من الجيل الشاب، وهي في هذا الموسم دعت في برنامجها مؤخراً لحضور أفلام وثائقية عن الفنانين العالميين. 


أما الفنانة ندى صحناوي التي لطالما عملت على احياء ذاكرة الحرب الأهلية، فقد أصيب محترفها في مار مخايل إصابة مباشرة قضت على محتوياته من الأعمال الفنية. 


ولن ننسى منظر الدمار الهائل الذي حل بالمبنى الزجاجي لجريدة "النهار"، حيث أصيب فيها بعض الزملاء الصحافيين الذين تواجدوا فيها لحظة الانفجار، كما تضررت الى حد بعيد مكاتب "الدولية للمعلومات" لصاحبها جواد عدره مؤسس متحف نابو Nabu بما تحويه من تحفٍ فنية وأعمال حديثة ومعاصرة مميزة لفنانين لبنانيين وعرب. 


وثمة أضرار لحقت بعدد من الغاليريات الأخرى الممتدة على طول الشريط الساحلي لبيروت منها: "أشكال ألوان- بيروت" و"بيروت آرت سنتر" وغاليري "ايماغوس" ومحترفات عائلة غيراغوسيان، امتداداً الى الرابية حيث يقطن الناقد سيزار نموّر مؤسس متحف مقام. 


هل يحتمل الفنانون الذين أوصلهم خريف العمر الى حالة من الإنزواء في محترفاتهم من دون أن ينتظروا تكريماً أو وساماً من أحد، أن يصابوا بصحتهم وأبدانهم أو بفلذات أكبادهم بلا تعويضات أو حتى مساعدات مرَضية في المستشفيات؟؟


عدا الذعر من هول الكارثة في الأشرفية، فقد مُني الفنان سمير أبي راشد المعروف بأنه يمثل أحلى ما يمكن أن نصفه من فانتازيا الرؤى السوريالية، بعينيه بعد ان تقوّضت أركان منزله القديم وتهاوت بعض الأحجار لتسقط على ظهر زوجته وهما الاثنان يرقدان في المستشفى بلا معين.
وكذلك أصيبت الفنانة والناقدة التشكيلية نيكول حرفوش (مجلة La Revue du Liban  والعميدة السابقة لجامعة الألبا) التي تعاني من آلام مبرّحة في جسدها جراء تضرر منزلها الكائن في محيط وزارة الخارجية (في الأشرفية).


 أما الفنانة والناقدة (سابقاً في جريدة النهار) لور غرّيب المخضرمة المعاصرة التي جددت العلاقة المميزة بالعفوية الغرافيكية حين أخذت تشيد قصوراً من أوهام الطفولة، فقد قدّر لها أن تعيش كابوساً حقيقياً في دمار منزلها ومحترفها في محيط مبنى ABC (في الأشرفية)، في غياب أبنائها في حين أن زوجها الممثل المعروف أنطوان كرباج، يرقد حالياً في المستشفى بعد معاناة مع مرض الألزهايمر.

قصور سرسق والتراث المهدد
ما لم تقوَ عليه السنوات العجاف من جولات الحرب الأهلية اللبنانية تمكن منه انفجار 4 آب (أغسطس)، الذي نال من البيوت التراثية القديمة، خصوصاً حي السراسقة في الأشرفية، منها متحف نقولا ابراهيم سرسق بنوافذه الزجاجية الملونة وحلّته العصرية الذي يعتبر تحفة معمارية فريدة، لا سيما بعد أعمال التأهيل والتوسعة التي راعت أهمية وجود الملحقات المرافقة كمكان للترفيه وكمقر ثقافي بإمكانه استيعاب أكبر وأهم المعارض المتحفية، وأبرزها معرض بيكاسو "لوحات العائلة" والمحلية، على غرار معرض الفنان جورج القرم، ذلك فضلاً عن التقليد العريق لـ "صالون الخريف" الذي يقام كل عامين. 


فمتحف سرسق الذي لطالما استضاف محبي الفن والذواقة والزوار العرب والأجانب من أنحاء العالم كان موئلاً للاحتفال بالجمال والرقي وتراث الماضي المجيد، أصبح حزيناً اليوم بعدما تداعت أروقته وسقط الزجاج الملون عن نوافذه، وتضررت بعض ممتلكاته الفنية من اللوحات مما يزيد من حجم الخسائر، وغابت نسمة الروح عن ساحته الفسيحة التي أضحت خالية إلا من خفقة الأمل التي يعوّل عليها الوزير السابق طارق متري الذي يتولى شؤون متحف سرسق، في تعاون أصدقاء المتحف من أجل عودته الى الحياة. 


عجباً كيف انقضّ هذا الانفجار الوحشي المدمِّر، على أجمل قصور الأشرفية وأضخمها وأقدمها وهو قصر الليدي كوكرن المهيب الحافل بالتاريخ والزمن الجميل، وهو رمز لبناني عريق وفخم يعود بناؤه الى عام 1870، من وحي العمارة الفلورنسية (الإيطالية) الجميلة. 


والليدي ايفون سرسق كوكرن التي قضت حياتها وهي تجمع آثار بيوت بيروت القديمة وأحجارها (تهدمت بفعل التحديث والاستثمار التجاري) من أجل الحفاظ على التراث المعماري للمدينة التي عشقتها منذ شبابها حتى كهولتها، لا تستحق أن ترى قصرها، من سقوفه القرميدية وأبراجه وأروقته، حتى محتوياته من التحف واللوحات، تتداعى أمام ناظريها وأن ترحل ذكرياتها مع حكايات الآباء والأجداد إلى الزمن المؤجل. 


وفي شارع سرسق أيضاً، يقبع مكتب "بيروت متحف للفن" (Bema) وجمعية "APPEAL"  للفنون، الذي بات شبه مدمّر اليوم وتضرّرت فيه بعض اللوحات والتحف الفنية.
 
بين الأمس واليوم   
ما خسرناه في الانفجار المشؤوم ربما يفوق الخسائر التي منيت بها بيروت طوال الحرب اللبنانية التي أودت بثمانين في المئة من صالات العرض والغاليريات التي لا يَعرف جيلي من المثقفين، أمجادها ولا كواكبها المنيرة ونجومها المتألقة في سماء سويسرا الشرق، لا يعرفون سوى اسمائها (على سبيل المثال: دار الفن والأدب، وغاليري وان، و Studio 27 وغاليري كونتاكت وL ‘amateur ومودلار ودامو... وسواها- أرشيف فيصل سلطان).


ما ذكرناه من اسماء المتضررين من أهل الفن اليوم، هو ليس مسحاً ميدانياً دقيقاً لما جرى ويجري، وإن كان ينبغي علينا ذلك. وإذا كان لا بد من أن نقيم أعراساً للإحتفاء بالحياة العائدة إلينا، فإن بيروت لا تقوى على ذلك بلا فنانيها وشعرائها وأدبائها وصحافييها ومفكريها ومثقفيها وصالات عرضها ومسارحها.   
بيروت المقهورة الحزينة سوف تمسح دموعها وتحاسب الجناة المجرمين ولن تسمح للعبث أن ينالها. 


من الآن فصاعداً ستعود أبهى من الحلم، ولن تغلق أبوابها أمام العرب والأجانب الذين لطالما أعطوا بيروت صفتها الكوزموبوليتية على مر السنين. 


والسؤال عن فنون الزمن المتغير الممزوج بالمآسي والنكبات والجراح التي لا تنتهي. هل ينبغي أن نلزم الحياد؟ يجيب صالح بركات: "لدي غضب يريد أن ينفجر وسينفجر في الشارع" أليس الشارع حضناً للغضب والاعتراض الذي يُكافح بالقمع والضرب والاعتقال والرصاص الحي أحياناً؟؟".  


"نريد لا شيء منكم"، يقول الشاعر عقل العوّيط (ملحق النهار- 21 شباط / فبراير 2005) وكأنه الآن: "لن يكون لبنان إلا ما يكون/ وسيكون معدنه مضروباً بجنون الحب ومصقولاً بهجس الشعر وسيكون ملمعاً بصوّان الحرية/ ... فلم نعد نريدكم لكي تكونوا في ديارنا ولا في كوابيسنا/ لم نعد نريدكم حتى في جهنمنا/ فارفعوا فقط أثقالكم عن سطوح البيوت كي نشمّس الزبيب المتبقي من عنب أجسادنا".


يغمرنا الشعور بالكارثة التي توحّدنا جميعاً، بالكلمات بالصمت بالدم بالرماد سنحترف الفرح.   
 
الكلمات الدالة