إعلان

"بيما" متحف المستقبل... بين الآمال والتّحديات ​

المصدر: بيروت- النهار العربي
مهى سلطان
المتحف من الخارج
المتحف من الخارج
A+ A-

ماذا يحمل متحف الفن في بيروت BeMA من آمال وأحلام وتحديات، كمشروع ثقافي إنمائي - حضاري ووطني، يشكّل حاجة ضرورية في لبنان الذي يفتقر إلى متحف للفن الحديث والمعاصر؟ الواقع أنّ اللقاء الصحافي مع مصمّمة مشروع "بيما" المهندسة المعمارية أمل أندراوس، التي تعيش وتعمل في نيويورك، مع فريق عملها من المهتمين والمتخصصين بالفنّ، يعكس مدى الرغبة في إنشاء هذا المشروع الذي استقطب بعض رؤوس الأموال، على أمل أن تُستكمل خطوات تمويل بناء المتحف، كي يبصر النور كما هو مزمع عام 2025.

 

عرضت أندراوس في اللقاء الصحافي (الذي تمّ في مكتب البيما في الأشرفية - شارع سرسق) صوراً عن المتحف، موقعه وهندسته من الخارج وتكوينه من الداخل وأغراضه وأهدافه، ومن بينها أن يكون المتحف منصّة تفاعلية وتشاركية مع مختلف فئات المجتمع في البلدات والمناطق البعيدة من بيروت، بهدف مدّ جسور الثقافة بعيداً من مركزية العاصمة.

 
من المؤتمر الصحافي

 

وتحدثت عن أهميّة استراتيجية موقعه الجغرافي الذي يتمتع به (على طريق الشام)، كمكان للّقاء في بيروت الكبرى في محيط المتحف الوطني الذي يضمّ آثار لبنان وحضاراته، وعلى مقربة من جامعة القديس يوسف التي تضمّ أيضاً متحف "ميم" الذي يحتوي على قطع نادرة من المعدنيات والأحجار الكريمة والمتحجرات من مقتنيات سليم إده، نجل وزير الثقافة الأسبق ميشال إده، وبجوار بعض المؤسسات الرسمية وبالطبع مجمع مبنى السفارة الفرنسية.

 

يقوم المتحف على فكرة الثابت والمتغير، وهو مؤلف من ستة طوابق. الطابق الأرضي حيث المدخل (اللوبي) المعدّ للإدارة ولاستقبال الزوّار وتوجهيهم وتلبية حاجاتهم، وهو مزود بمقهى. أمّا الطابق الأول فهو لشؤون الترميم والتوجيه والبحث والحفظ، وهو مرفق بردهة مفتوحة، وثلاث طبقات عبارة عن صالات لعرض الأعمال الفنية (المجموعة الدائمة) وهي متفاوتة المستويات، والطبقة العلوية معدّة لنشاطات فصلية متغيرة مع إمكانية إنشاء أرشيف ومكتبة، والسطح العلوي مكان للترفيه، ذلك فضلاً عن طابق سفليّ للتخزين وثلاثة طوابق سفلية لركن السيارات. مثل أيّ أفكار وتخطيطات مسبقة على الورق، لا بد من أن تظهر بعض النقاط المطروحة في المشروع غائمة الى حد ما، حتى يولد المتحف ككيان حقيقي مادي ومعنوي ويجد طريقه إلى التطبيق، فإن الواقع يفرض نفسه في نهاية الأمر، وقتئذٍ يتبين لنا عملياً مدى أهلية المبنى وفاعليته لخدمة دوره وأغراضه.

 

المهندسة أمل أندراوس

 

بين الأمس والغد

ثمة إشكالية جمالية صرفة تطرح نفسها لدى رؤية مبنى المتحف، الذي يمكن وصفه بأنه حميم وعاديّ وليس مبهراً من الناحية الفنية. فالتصميم المعماري الذي نفذته المهندسة أمل أندراوس، جاء ربما بعيداً من التوقعات في رؤية تحفة معمارية تدهش العين وتكسر القواعد والتقاليد كي تظل أمثولةً في صنع المستقبل. لا سيما أننا نشهد في زمن المعاصرة على ثوارت التجديد والابتكار في العالم، مع مبادئ "ما بعد التفكيك" في العمارة، واستخدام الخامات الجديدة والأساليب المستحدثة في صوغ الرموز الوطنية بطريقة إنشائية رائعة، ومفاهيم المغلق والمفتوح في الوظائف الجمالية للمبنى، لنجد أنفسنا أمام مبنى شبيه ببناء سكنيّ ذي واجهات مفتوحة على الخارج ومزيّنة بشتول النبات.

 

وكأنّ هناك تقاطعاً في الأحلام ما بين زمنين، إما المراهنة على سباق الزمن والمضي مع التقدم الحاصل في تصميم عمائر خارقة للمعقول، أو العودة بالزمن إلى الوراء إلى عمائر بيروت في الزمن الجميل. الواقع أن أندراوس قد شرحت المبدأ الذي قامت عليه فكرة تصميم المتحف، وهي أن تستعيد زمن الحداثة الذي تميزت به أبنية بيروت قرابة الأربعينات والخمسينات، التي أضحت تراثاً معمارياً يندثر ويهدم يوماً بعد يوم، حتى لم يعد يبقى منه غير الذكريات، أمام اقتحام الأبنية الشاهقة وطغيان المبدأ الاستهلاكي - التجاري على المبدأ الجماليّ، الذي كان قاعدة التصميم المعماري في العصر الذهبي للحداثة المتّصف بالانسجام في طراز البناء بزخارفه وشرفاته المزيّنة بأصص النبات والأزهار، في أمكنة بيروت القديمة وعماراتها، المفتوحة على الهواء والنور والحبور.

 

بيروت في ماضيها القريب كمدينة متوسطية مشرقية الطابع، المنفتحة على كل ما هو أصيل وجميل، كانت تفتح ذراعيها للمارة والمتنزهين على أبواب حدائقها وشمس بيوتها. انطلاقاً من ذلك الحنين وتلك الرغبة الدفينة باستعادة المفقود، وبما أن أندراوس تطمح إلى أن تجعل زوّار المتحف يشعرون أنهم في بيتهم الثاني، لذا تدعونا إلى تأمل المبنى من زاوية حميمة في ارتياد سهل، بعيداً من الموجات الصادمة للعين، علماً أن ما نفذته من مشاريع وتصاميم هندسية في الولايات المتحدة تنطوي على الكثير من الإبداعات في ابتكار وظائف المباني المتنوعة التي أنجزتها، فهي مديرة شركة WORKac التي أسّستها مع شريكها دان وود عام  2003، وهي أستاذة وعميدة في جامعة كولومبيا حيث تعمل حالياً كمستشارة أكاديمية في مبادرات دراسات المناخ في الجامعة. لها منشورات عدة منها: "المدينة العربية وتمثلات الهندسة المعمارية".

 

حازت شركتها جوائز عدة، عن تصاميم هندسية وممارسات معمارية متعلقة بالاهتمامات البيئية والاجتماعية، مع التركيز خاصة على المشاريع العامة والثقافية والمدنية. حققت إنجازات عدة لمراكز طلابية ومتاحف ومكتبات عامة ومسارح في كل من بروكلين هارلم وهيوستن ونيويورك.

 

المتحف من الداخل

 

مجموعة وزارة الثّقافة تحت المجهر

منذ إنشاء وزارة الثقافة، وخلال حقبات متتالية، تم جمع شتات معظم الأعمال الفنية التابعة لوزارة الثقافة من رسوم ولوحات ومنحوتات (قدّر عددها بـ1300 عمل فني في إحصاء عام 2019) من المؤسسات الرسمية التابعة للدولة اللبنانية، وهي خطوة أساسية في هذا المجال. وقد سبق لوزارة الثقافة أن أنشأت متحفاً افتراضياً لمجموعتها الفنية (بطلب من الوزير روني عريجي) ليأتي بعد ذلك ولادة "بيما"، كمشروع متحف حقيقي تُعقد عليه الآمال بعد فشل العديد من مشاريع المتاحف السابقة التي تعود إلى عام 1974 مع مشروع متحف إيريس فرنجية، بمسعى من جمعية الفنانين التشكيليين اللبنانيين التي كان يرأسها وقتئذٍ الفنان عارف الريّس.

 

أمام هذا الاستحقاق، يقوم فريق العمل في بيما، باستكمال خطوات تجميع مقتنيات وزارة الثقافة وفرزها وتوثيقها وإعداد لوائح عنها، وفي هذا السياق تحدثت جوليانا خَلَف كمسؤولة عن شؤون الأعمال الفنية، عن 600 عمل فني أحيل إلى الترميم من أصل قرابة 2300 عمل فني، علماً أن قسماً من الأعمال قد خضعت لحفلات ترميم (بمعنى تشويه) على مدى العقود الثلاثة الماضية، على أثر الأضرار التي تعرضت لها مجموعة لوحات وزارة التربية والتعليم العالي في الأونسكو من جراء القصف الإسرائيلي صيف عام 1982، ومن رداءة شروط الحفظ الفني. وقد ساهمت الترميمات الخاطئة المتتالية ليس بحماية الأعمال وصونها بل بتدمير أسلوب الفنان وإخفاء ألوانه وضربات ريشته. ولم تتوقف أعمال الترميم حتى بعد انفجار المرفأ في 4 آب.

 

 

التاريخ يشهد

لا بد هنا من طرح الأسئلة وعلامات الاستفهام في ما يتعلق بمسألة تقييم هذه المجموعة التي تحتوي على النفيس والرديء، لأن وزارة الثقافة كما درجت العادة لم يكن لديها سياسة اقتناء واضحة، فكانت عملية شراء الأعمال من المعارض، تساوي بين الفنانين المحترفين والهواة، كما أنها تتبع المنهج المتداول الآن في مؤسسات الدولة من المحسوبيات السياسية والطائفية، ولا تنبع من الشروط الفنية التي ينبغي على أساسها اقتناء العمل، الذي يختاره موظف وليس ناقداً فنياً أو خبيراً أكاديمياً على سبيل المثال. وبما أنني كنت عضواً مع عدد من النقاد المرموقين (نزيه خاطر، وسيزار نمّور وجوزف طراب وفيصل سلطان) في اللجنة التي اطلعت على نماذج من مجموعة الوزارة، فإني أعتبر أن الإرث الفني الحقيقي هو المجموعة التي تمثل جيل الحداثة من الفنانين الكبار، وقسم كبير منها هو من مقتنيات وزارة التربية سابقاً، بينما تتصف الأعمال التي تنتمي إلى جيل ما بعد الحداثة والمعاصرة (على وجه الخصوص) بتدني المستوى الفني وغياب بعض أقطاب هذين الجيلين. يُحكى في الكواليس عن أعمال كثيرة مفقودة، منها ما قُدّم كهدايا لرؤساء دول أجانب، ومنها ما دخل لتزيين قاعات مؤسسات حكومية. ومن الطريف أن الناقد جوزف طراب قد اقترح في أحد اللقاءات تَلف بعض الأعمال الرديئة خشية دخولها المتحف من أبواب غير شرعية.  

 

المهم في نهاية المطاف هو نوعية الأعمال التي سيتم اختيارها، لتدخل في ذاكرة المتحف المستقبلي، لذا ينبغي تشكيل لجنة من خبراء ومتخصصين ضليعين لتقييم هذه المجموعة وتصنيفها وتوثيقها بحسب تسلسلها التأريخيّ، ووفق الاتجاهات والمدارس الفنية التي عرفتها فنون بيروت. ومن أجل تدارك الثغرات من غياب بعض التجارب المهمة. فالتاريخ الذي يدخل المتاحف لا يرحم، وهو في نقد المعاصرة بحسب الفيلسوف الفرنسي موريس مرلو بونتي (في كتابه "فكر الفن") إما أن يرافق الذاكرة الثقافية وبدونه لا تملك الإنسانية ذاكرتها التشكيلية، وإما أن يكون التاريخ الساخر المسطّح السلبيّ المليء بالمتناقضات الذي يراكم تجارب هجينة بعضها فوق بعض، هذا التاريخ الذي يقتل الذاكرة ولا يحرّض إلا على التجاهل والفوقية.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم