إعلان

خاص "النهار العربي" - لغة الجسد: عابد فهد في "350 جرام"... ماذا يقول "نوح الريّس"؟

المصدر: النهار العربي
عابد فهد.
عابد فهد.
A+ A-
وليد حسين الخطيب
محلل في لغة الجسد
 
ما من شكّ في قدرة عابد فهد على التحكّم في لغة جسده أثناء أدائه مشهداً تمثيليّاً إلى درجة الإقناع، حتى ليظّن المشاهد أنّه أمام مشهد حيّ واقعي يحصل أمامه، وهذا ما نراه في المحكمة في مشهد الدفاع عن "فادي" (مصطفى سعد الدين).

عابد فهد الذي جذبنا دوره في مسلسل "350 جرام"، من تأليف وسيناريو وحوار ناديا الأحمر وإخراج محمد لطفي، وبطولة كوكبة من الممثّلين والفنّانين، بشخصية "نوح الريّس" المحامي الذي يبدأ بالثورة على محيطه المملوء بالإجرام بعدما غيَّر نظرته إلى الحياة، إثر تعرّضه لحادث مأسوي جعله يراجع حياته وقناعاته وتصرّفاته.

أطلّ بدايةً بشخصية الماكر المحتال الذي يتلاعب في مَن حوله وفي القوانين ويتفوّق عليها، مستخدماً من تحت نظّارته نظرات فيها الكثير من الحنكة والمكر والدهاء والثقة العمياء في نفسه وفي أفعاله وأقواله.

ولسنا هنا في معرض الحديث عن قدرة فهد التمثيلية وبراعته في أداء الأدوار التي تُسنَد إليه، بل إنّ ما نهدف إليه في هذه الأسطر هو تحليل لغة جسده في أدائه التمثيلي من خلال لقطات في المسلسل، خصوصاً في المحكمة، وهذا ما سنعود إليه ونفصّله في معرض الكلام، حيث في مَشاهد أخرى لا يرى المُشاهد أو لا يشعر بتفاوت في لغة جسده، بل يقتصر الأمر على الخبراء والمتمرّسين في هذا العلم.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، في المشهد الذي يتحدّث "نوح" مع زوجته "ياسمين" (كارين رزق الله)، لا نعثر على هفوة وإن بسيطة في لغة الجسد، فرغم قلّة الحركات في جسده إلّا أنّه يتحكّم في نبرة صوته بطريقة رائعة، تجعلنا ندرك مكانة فهد في عالم التمثيل، من حيث تمكّنه وسيطرته وحرفيته العالية.

وأمّا في مشهد تعرّفه إلى "سما" (غريس قبيلي)، حيث كان يراقبها، فالأخطاء الصغيرة كانت منها لا منه، وهي أخطاء لا يستطيع المُشاهد العادي التقاطها، وهي ليست ذات أهمّية. أمّا عينا فهد فكانتا كعيني صقر في نظراتهما، تدلّان على ثقة كبيرة في النفس وقدرة عالية على التحكّم في الأمور.

كلّ ما ذُكِر ينطبق تقريباً على أحداث المسلسل كلّها تقريباً، ولكن ما سنأخذه كمثل على الأحداث كلّها هو مشهد المحكمة وفق ما ذكرنا سابقاً، كونه يجمع الكثير من الحركات السليمة والحركات الخطأ في لغة الجسد.
 


ففي المشهد موضوع الحديث، نرى فهد يكثر من حركات يديه، فمثلاً ضمّ الإبهام إلى السبّابة أثناء الكلام يؤكّد في العادة كلمة أو جملة أو موضوعاً يتناوله المتكلّم، فضلاً عن أنّ هذه الحركة إذا ترافقت مع تحريك اليد صعوداً ونزولاً فهي تدلّ على تأكيد التهديد! وهذا ما فعله فهد في مطالعته في المحكمة وتقديم دفوعه، فهو المحامي الذي يريد إثبات البراءة، لا طرف يخاصم ويهدّد ويتوعّد بالانتقام. أمّا تحريك إصبع السبّابة فيكون للإشارة إلى شخص ما، وهذا الشخص غالباً ما يكون ردّ فعله سلبيّاً، لأنّه يظنّ أنّ في الأمر إساءة إليه ويوحي – التحريك – إليه بالسوء، مع العلم أنّ الإشارة إليه قد تكون بالإيجاب. فهذه الحركة مترسّخة في لا وعي كلّ منّا نتيجة استخدام الأهل أو المعلّمين... إيّاها تجاهنا في الصغر. لذا، كان الأولى بفهد أن يستخدم كفّ اليد مفتوحة عند الإشارة إلى المتّهم (فادي الأشقر) الذي يدافع عنه.

والأدهى من هذا أن "نوح الريّس" لم يكتفِ باستخدام السبّابة للإشارة إلى المتّهم أو استخدام الأخرى للإشارة إلى شخص آخر، بل أخذ يحرّكها، ولا أدري ما إذا كان يعلم هو أو المخرج أنّ هذا التصرّف يحمل لغة التهديد بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى وكأنّه يضعه هو في موضع الاتّهام ويؤكّده! ويجب ألّا نغفل عن تحريك يديه شمالاً ويميناً وصعوداً ونزولاً بلا أيّ فائدة وبما لا ينسجم مع الكلام الذي يقوله ولا ينسجم مع نبرة صوته في الدفاع، فهي مجرّد حركات لا هدف لها.

وقبل أن ننهي مع لغة جسد القدير عابد فهد الذي سنعود إليه في الختام، لا بدّ من الإشارة إلى التناقض بين ردّ فعل أمّ سارة – والدة القتيلة – وكلامها مع المحامي بعد استفزازها بقوله "خيانة"، فهي تتفاجأ وتنفي الأمر وبعد ذلك ترفع حاجبيها، ومن المعروف أنّ رفع الحاجب يدلّ على النفي غالباً، وكأنّ بين الأمرين فارق توقيت. وهذا يُلاحظ ليس من المختصّين وحسب، بل من أيّ مُشاهد عادي أيضاً لأنّه واضح وضوح الشمس. والكارثة الكبرى أنّها حين تؤكّد أنّ ابنتها ذات أخلاق عالية وأنّها ابنة أصول وتربيتها تربية صالحة و... ترفع حاجبيها كأنّ جسدها يرفض ما تقول ويكذّبه. فكيف استقام التأكيد والنفي لمسألة واحدة في آن واحد؟ هذا التناقض قد يقبله المشاهد أو قد ينساه أو يتناساه من ممثّل آخر غير عابد فهد. ولكن ما يُؤخَذ على هذا الأخير أنّه أخطأ خطأ واضحاً فاضحاً في هذا المشهد تحديداً ولا يمكن أن يمرّ مرور الكرام. فبعد أن ينهي كلامه بعبارة "يقتل" يفتح كفّيه إلى أعلى ويبسط يديه. وهذه الحركة عادة تعني أنّنا لا نملك شيئاً ولا نضع شيئاً في أيدينا. وأوّل ما يتنبّه إليه من يرى هذه الحركة هو كذب الشخص الذي فعلها.

ولكنّ الحقيقة أنّ كلّ حركة من حركاته في المحكمة كان مقصوداً منها أن تُفهَم بهذا المعنى، ألم نقل أنّه "الماكر المحتال الذي يتلاعب في مَن حوله وفي القوانين ويتفوّق عليها"؟ فهو أراد توجيه رسالة بل رسائل عدّة إلى المتّهم – وحتى إلى الموجودين – بأنّه سيكون تحت طوعه ويفعَل ما يؤمَر وإلّا فالويل والثبور وعظائم الأمور. أمّا حركة فتح الكفّين إلى أعلى في آخر كلامه، فهدفها القول إنّك إذا لم تكن ما أُريد، فما بيدي حيلة ولا أستطيع فعل شيء لك.
أليس هذا عملاً مبدعاً من فنّان مبدع؟

 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم