إعلان

دخلت "غينس" بساق واحدة... دارين بربر لـ"النّهار العربي": الشّفقة تقتل الأحلام

المصدر: النهار العربي
ليلي جرجس
دارين بربر
دارين بربر
A+ A-
قسَت عليها الحياة باكراً، كانت مراهقة تُحيك أحلامها وطموحاتها قبل أن يُحطمها المرض.
 
ابنة الخمسة عشر عاماً تواجه "خبيثاً" ينخر عظامها، "هيداك المرض" كما كانوا يطلقون عليه في الماضي تغلغل إلى ركبتها، والآتي كان صعباً وقاسياً وملهماً.
 
7 أشهر من العلاج الكيميائي قبل أن تجد نفسها أمام كأس مرّة "البتر"، تساؤلات، انكسارات، خيبة وصدمة، عاشت دارين مرحلة صعبة علّمتها الكثير.
 
مصدر ضعفها حوّلته إلى قوة، لتحصد لقب غينيس للأرقام القياسية بعد تحقيقها الرقم القياسي العالمي لأطول فترة في وضعية القرفصاء على حائط (فئة السيدات) – تصنيفات البتر الأحادي فوق الركبة.
 
دقيقتان و8 ثوان جعلت دارين تخط اسمها في كتاب غينس العالمي، هذا الكتاب الذي كانت تتصفحه مع صديقاتها في الطفولة أصبحت فيه. وما كانت تحلم به أنجزته بطريقة مختلفة، وبقدراتها التي اكتشفتها بعد كل ما مررت به.
 
تسترجع دارين، صاحبة الابتسامة والروح الإيجابية، قصتها والبداية التي قلبت حياتها.
 
تروي لـ"النهار العربي" محطات مفصلية رسمت مسار حياتها اليوم: "كنتُ أعيش مراهقتي وأحلامي وأتابع دراستي عندما اصطدمت بواقع صحي غيّر كل مخططاتي وأحلامي الصغيرة وتطلعاتي. لم يخبرني والدايّ بأني أواجه سرطاناً في عظام الركبة، أرادوا حمايتي نفسياً وتجنب مخاوف الموت والهواجس عند سماع "هيدا المرض".
 
لم يكن أحد يُسميه باسمه في حينها، وكان عليّ التخلف عن دراستي لاستكمال علاجي. وبعد 7 أشهر من العلاج الكيميائي، وجدتُ نفسي أمام واقع صعب وعليّ تجرع هذه الكأس المرة "البتر".
 
 
 
لا تُخفي دارين أنها "كانت فترة قاسية، مررتُ بظروف نفسية صعبة، ليس سهلاً عليّ، أنا الفتاة التي تكبر وتحلم بأن تصبح ككل الفتيات عارضة أزياء، وتحب اللبس وأن تعيش مراهقتها أن تجد نفسها في ساق واحدة. اندثرت أحلامي، خيبة وألم ومجتمع لا يرحم. نظرات الشفقة، عدم تأهيل الطرق والمباني لذوي الاحتياجات الخاصة. بدأت ألتمس الصعوبات يوماً بعد يوم، وأن الذين هم مثلي يصعب عليهم العيش في المجتمع اللبناني الذي يفتقر الى أدنى المعايير لتسهيل حياة هذه الفئة".
 
وعلى الرغم من كل هذه المعوقات، أبت دارين الاستسلام. لم يتركها والداها وكانا السند لها للاستمرار والنضال وإكمال حياتها بشكل طبيعي.
 
عادت دارين إلى دراستها، وبعد المدرسة، وبسبب "غياب التجهيزات والتسهيلات لتتمكن من الحضور، وجدت نفسها أمام سلالم طويلة وطوابق عديدة لتدخل الجامعة. لم أكن باستطاعتي المضي بهذه الشروط، واخترت شق طريقي بنفسي وتعزيز خبرتي المهنية".
 
كانت دارين تعمل في شركة تأمين خلال دراستها، وقررت تطوير مهاراتها والحصول على شهادة السكريتريا.
تقول: "تطورت وحصلت على ترقيات في عملي، وأنا جدّ ممتنة لهم لأنهم فتحوا لي الباب، في حين أن استقبال فتاة في ساق واحدة كان صعباً في لبنان. وعام 2013 كتبت فصلاً جديداً في حياتي، بزواجي والسفر إلى الإمارات. وهناك شعرت أنني إنسانة لدي قيمة وعندي حقوق وتسهيلات للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة".
 
 
حاولت دارين حتى عام 2013 كإنسانة طبيعية، تخفي ساقها بأخرى اصطناعية تفادياً لتساؤلات الناس. ما جرى مع دارين بعد ولادة طفلتها بستة أشهر، كان أشبه بصفعة داخلية لتكتشف قدرتها الداخلية وقوتها.
 
هي التي كانت، كما تصف: "أنظر إلى الجانب السلبي من حياتي، إلى نظرات الناس وأحكامهم وتعليقاتكم التي تترسخ فيك من دون وعي. كانت تمنعني من رؤية جانبي المشرق، من الاهتمام بنفسي والنظر إليها. لقد انغمست في الأمومة ونسيتُ نفسي. وجاء حادث وقوعي وكسر وركي ليحثني على تغيير أسلوبي".
 
وبالفعل، كان على دارين الخضوع للتمارين الفيزيائية وممارسة الرياضة لاسترجاع قوتها، وهناك اكتشفت شغفها النائم فيها.
 
تؤكد: "اكتشفت حبي للرياضة، وإمكانياتي الكبيرة في هذا المجال على الرغم من وضعي. خسرتُ 25 كلغ من وزني، واكتشفت شغف الرياضة وقدراتي المدفونة في داخلي. وبدعم من زوجي، بدأتُ أخوض مغامرات وأحقق نجاحاتي".
 
وعن أهم محطات حياتها، تشير دارين "لدي إنجازان قبل لقب غينيس وأفتخر بهما كثيراً. كنتُ أول امرأة عربية مبتورة الطرف تُنهي سباق التراياثلون (سباق جري سباحة ودراجة هوائية) في دبي، كما كنتُ أول امرأة عربية مبتورة الطرف تُشارك في مسابقة الجمال واللياقة في لندن. كان هذا إنجازاً كبيراً، وعندما اختارتني غينس وأطلعوني عن تصنيفات جديدة والفئات (فوق الركبة) قررتُ خوض غمار التحدي وكسر رقم قياسي لأحد أنواع الرياضات. ولم يكن هدفي اختيار نوع خارق، لذلك اخترت تمرين القرفصاء ونجحت في كسر الرقم دقيقة و15 ثانية من خلال تحقيق دقيقتين و8.24 ثوان".
 
بشغف تتابع: "ما حققته اليوم أقدمه لكل شخص يعيش التجربة نفسها أو الألم نفسه، لقد كنتُ أنظر دائماً إلى ما ينقصني وليس ما لدي، وهذا تحطيم للذات. علينا أن نعرف قيمة الأشياء التي نملكها ونحافظ عليها ونسعى إلى تحويل نقاط ضعفنا إلى قوة واستمرارية. شعرتُ بالرهبة في البداية، والقلق والخوف، ولكن سرعان ما تبدد وحققت الرقم القياسي. لا تدعوا الشفقة تقتل أحلامكم، لذلك اغتنموا الفرصة وتغيروا ولا تنظروا إلى ما هو ناقص بل إلى النعم التي يمكن تحويلها إلى مصدر قوة ونجاح".
 
 

 
 
 
 
الكلمات الدالة